آخر تحديث :الخميس-05 فبراير 2026-12:51ص

‏حكو… مة

الأربعاء - 04 فبراير 2026 - الساعة 06:42 م
سمير اليوسفي

بقلم: سمير اليوسفي
- ارشيف الكاتب


‏في كل مرة يُطرح فيها تغيير حكومي، ينشغل الناس بالأسماء: من سيخرج، من سيبقى، ومن سيحمل الحقيبة الأثقل. وهو انشغال مفهوم في بلد أثقلته الأزمات، لكنه نادرًا ما يقترب من أصل الإشكال. فالدولة قد تغيّر حكومتها، وتبقى كما هي؛ تتبدل الوجوه والعناوين، بينما أسلوب العمل يواصل سيره بثبات.


‏في اليمن، أكدت التجربة هذا المعنى بوضوح. تغيّرت حكومات كثيرة في ظروف سياسية واقتصادية وأمنية متباينة، لكن الحصيلة بقيت متقاربة: جهد كبير وأثر محدود. والسبب في ذلك ذهنية إدارية ما زالت حاضرة، تعمل كما لو أن العالم من حولها لم يتغير.


‏في زمن سابق، كانت هذه الذهنية مفهومة. دولة مركزية، تعليم ورقي، خدمات تُدار بالملف والختم، وإعلام يقوم على الصوت الواحد. كانت الدولة تضبط الإيقاع، وكان المواطن يتكيّف. اليوم انعكست المعادلة؛ الإيقاع أسرع، والبدائل متاحة، لكن طريقة العمل بقيت حيث كانت.


‏يكفي النظر إلى تفاصيل الحياة اليومية لفهم الصورة. مواطن يسافر مسافات طويلة، وينتظر أسابيع أو أشهر للحصول على جواز أو بطاقة شخصية، في تجربة أقرب إلى رحلة استكشاف منها إلى خدمة عامة. وفي المقابل، تُنجز الإجراءات نفسها في دول أخرى خلال دقائق. الفارق هنا ليس في ذكاء الشعوب، بل في القرار.


‏وحين نصل إلى المال، تتضح المفارقة أكثر. الزكاة والضرائب والرسوم، التي يُفترض أن تكون علاقة واضحة بين الدولة والمواطن، ما زالت تُدار بعقل الدفتر والمندوب. يدفع المواطن، لكنه لا يعرف دائمًا ماذا دفع ولماذا. وفي المقابل، أصبحت أنظمة التحصيل الرقمي، بإيصال واضح ومن دون احتكاك، جزءًا من الحياة اليومية في دول كثيرة. المسألة هنا ثقة قبل أن تكون تقنية.


‏الصورة نفسها تتكرر في أكثر من قطاع. ففي الاتصالات، تُناقَش خطط التطوير بينما الشبكات وقرارها ما زالا تحت سيطرة الحوثي في صنعاء، تمامًا كما هو الحال في الطيران والمجال الجوي. الدولة مطالَبة بالخدمة، لكنها لا تملك المفتاح. وبينما انتقلت دول كثيرة إلى أجيال جديدة من الاتصال الفضائي تتجاوز الشبكات التقليدية، ما زلنا نختلف على ترميم ما هو خارج السيطرة أصلًا. المشكلة هنا ليست تقنية ولا مالية، بل سيادية بامتياز.


‏وفي الإعلام والثقافة والسياحة، لم يعد الحديث عن فضائيات أو كتب وصحف ورقية، بل عن انتقال إلى عصر «تلفزيون الجيب». الشاشة انتقلت من الحائط إلى الهاتف، ومن الخطاب الأحادي إلى التفاعل. صارت الثقافة تُتداول، والسياحة تُروى وتُعاش رقميًا قبل أن تُزار. وما لا يُصاغ بهذه اللغة، لا يصل.


‏وحين ننظر إلى التعليم، تتضح الصورة أكثر. في التعليم المهني، تسبق الشهادة المهارة. وفي التعليم العالي، تُدار الجامعات بمنطق إداري أكثر منه أكاديمي. ننتقل إلى قطاعات أخرى، فنجد الخطط تُعلن، لكن أدوات القياس ضعيفة، والمسار معقّد، والنتائج محدودة. تختلف المجالات، لكن الذهنية الإدارية واحدة.


‏وقد يُقال: كيف نتحدث عن تحديث وإدارة عصرية، بينما الكهرباء معدومة والمياه شحيحة؟ اعتراض يبدو منطقيًا في زمن حرب. غير أن التجربة تقول شيئًا آخر: الدول التي انتظرت اكتمال بنيتها لم تُنجز، والدول التي غيّرت طريقة إدارتها وجدت حلولها. الكهرباء والمياه لم تعودا تُعالَجان بعقل الشبكة المركزية وحدها، بل بعقل النجاة، حين يكون البديل هو العدم أو الانتظار.


‏ومن هذا المنظور، قد يُقدَّم تأخير إعلان التشكيل الحكومي بوصفه تعاملًا مع التوقيت كمسؤولية لا سباقًا. غير أن النيات، مهما حسنت، لا تُدار، ولا تُقاس، ولا تُحاسَب ما لم يتغيّر نمط العمل في القطاعات نفسها.


‏المواطن اليمني، في الداخل وفي مختلف الأصقاع، لا ينتظر معجزات. ينتظر أشياء أبسط بكثير: خدمة لا تتحول إلى رحلة، جواز سفر لا يُختبر بالصبر، وتعليمًا يقدّم المهارة قبل الشهادة. ينتظر إدارة تفهم قبل أن تُقرِّر، ودولة تختصر طريقه بدل أن تزيده تعقيدًا.


‏في عالم سريع التغيّر، تعمل الوزارات التي لا تغيّر طريقتها أكثر… وتنجز أقل. وتُدار الحكومات التي تكتفي بتبديل الوجوه خارج زمنها. لا يحتاج اليمن شعارات جديدة، بل طريقة جديدة. فالدولة التي تختصر طريق مواطنيها، تختصر طريقها هي أيضًا. أما التي تراهن على الوقت، فغالبًا ما تكتشف أن الوقت لا يراهن عليها.