بقلم: أ.د مهدي دبان
شهدت السنوات الأخيرة صعودًا لافتًا لشخصيات على منصات التواصل الاجتماعي، استطاعت أن تحصد مئات الآلاف من المتابعين، لا بفضل عمق ما تقدمه بقدر ما يعود ذلك إلى جاذبية الشخصية ذاتها. فغالبًا ما يسبق الحضورُ المضمون، ويصبح “الكراكتر” هو البطل الحقيقي في المشهد، بينما يتراجع المحتوى إلى المرتبة الثانية. لقد اعتاد الناس متابعة شخصيات تدخل مجالات لا تنتمي إليها بالضرورة؛ فهناك من يقتحم الرياضة دون أن يكون رياضيًا، ومن يتصدر المشهد الثقافي دون تجربة معرفية حقيقية، ومع ذلك يجدون جمهورًا واسعًا يرى فيهم مادة للترفيه وكسر رتابة الحياة اليومية.
هذا الواقع قد يبدو طبيعيًا في فضاءات الفن أو الترفيه، حيث يتسع المجال للتجريب وتعدد الأذواق، ولا يشترط دائمًا أن يكون التأثير مرتبطًا بالتخصص. فالمجتمعات، بطبيعتها، تبحث أحيانًا عمن يمنحها لحظات خفيفة بعيدًا عن ضغوط السياسة والاقتصاد. غير أن الإشكالية تبدأ حين يتجاوز هذا الحضور حدوده، ويتحول من مساحة للتسلية إلى منصة لتشكيل الرأي العام في قضايا شديدة الحساسية.
الخطورة الحقيقية تظهر عندما يقترب “المؤثرون” غير المؤهلين من عتبة السياسة، فيتناولون ملفات سيادية تمس حياة الناس ومستقبلهم، ويتحدثون بلهجة الواثق العارف، بينما يفتقرون إلى الحد الأدنى من الخبرة أو الإدراك بتعقيدات الشأن العام. هنا لا يعود الأمر مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل يصبح مسألة وعي مجتمعي، لأن السياسة ليست مساحة للارتجال، ولا ميدانًا للتجارب العابرة.
إن تحويل القضايا الوطنية إلى محتوى سريع الاستهلاك يختزل النقاش العام في عناوين مثيرة ومقاطع قصيرة، تُبنى غالبًا على الانفعال لا على التحليل. ومع تزايد الاعتماد على “عدد المتابعين” بوصفه معيارًا للمصداقية، يتراجع صوت الخبراء والمتخصصين، ويُفسح المجال لخطابات سطحية قد تبدو جذابة لكنها تفتقر إلى العمق. وهنا يتعرض الوعي الجمعي لخطر التشويش، إذ تختلط الآراء المدروسة بالانطباعات العابرة، ويصعب على المتلقي التمييز بين المعرفة الحقيقية والطرح الشعبوي.
السياسة، في جوهرها، مسؤولية ثقيلة؛ فهي تتعلق بمصائر شعوب، وبقرارات قد تمتد آثارها لعقود. لذلك لا يمكن أن تُدار بعقلية العرض أو بمنطق البحث عن التفاعل السريع. فحين يُستبدل التفكير الرصين بلغة الإثارة، تتحول النقاشات العامة إلى ما يشبه المسرح المفتوح، حيث يغلب الأداء على الفكرة، ويعلو التصفيق على صوت العقل.
ولا يعني ذلك الدعوة إلى إقصاء أحد أو احتكار الحديث في الشأن العام، فالمجال السياسي بطبيعته يتسع للجميع. لكن الفرق كبير بين المشاركة الواعية التي تستند إلى معرفة ومسؤولية، وبين الحضور القائم على الشهرة وحدها. فحرية التعبير تظل قيمة أساسية، غير أنها تزداد أهمية حين تقترن بالإدراك والالتزام الأخلاقي تجاه المجتمع.
إن المجتمعات التي تسمح بانزلاق الخطاب السياسي إلى مستوى الترفيه تُخاطر بتبسيط قضايا معقدة، وتفتح الباب أمام قراءات مضللة قد تؤثر في اتجاهات الرأي العام. ومن هنا يصبح الاعتراض على هذا المسار ليس موقفًا نخبويًا، بل واجبًا لحماية المعنى الحقيقي للسياسة، وصون مكانتها كأداة لإدارة الشأن العام لا كمنصة للاستعراض.
لقد أفرز العصر الرقمي واقعًا جديدًا، تتداخل فيه الشهرة مع السلطة المعنوية، ويغدو “المؤثر” قادرًا على الوصول إلى جمهور أوسع من بعض المؤسسات التقليدية. وهذه قوة يمكن أن تكون إيجابية إذا استُخدمت لتعزيز الوعي ونشر المعرفة، لكنها تتحول إلى عبء حين تُستثمر في نشر السطحية أو التسرع في إطلاق الأحكام.
إن الدفاع عن قيمة السياسة لا يعني تجريدها من الحيوية، بل حمايتها من الابتذال. فالمجتمعات لا تتقدم بالضجيج، بل بالحوار العاقل، ولا تُبنى بالشعبوية، بل بالرؤية والمسؤولية. وحين يدرك الناس أن متابعة الشخص لا تعني بالضرورة تبني أفكاره، يصبحون أكثر قدرة على الفرز والاختيار.
في النهاية، ليست المشكلة في وجود شخصيات جماهيرية، بل في الخلط بين الترفيه وصناعة القرار، وبين الشهرة والكفاءة. فالسياسة ليست مسرحًا، وقضايا الناس ليست مادة للعرض، والوعي ليس تفصيلًا يمكن تجاوزه. وحين يستعيد العقل مكانته في إدارة النقاش العام، يمكن للمجتمع أن يحافظ على توازنه، وأن يضمن أن تبقى القضايا الكبرى في أيدٍ تدرك حجمها ومعناها.