✍️ أ / إيهاب طاهر – تربوي
في كل مجتمع، تُقاس قيمة الدولة بمدى إنصافها لموظفيها، وبقدرتها على حماية الفئات التي تحملت عبء البناء في أصعب الظروف. وبين هذه الفئات، تبرز شريحة الموظفين التربويين الذين تم توظيفهم في العام 2011م، والذين يجدون أنفسهم اليوم وكأنهم متقاعدون مبكرًا، رغم أنهم ما يزالون في قلب العطاء والعمل.
هذه الفئة التعليمية والتربوية أمضت أكثر من خمسة عشر عامًا في الميدان، تتحمل النصيب الأكبر من الأعباء داخل المدارس، من تعليم وإدارة وتوجيه، ومع ذلك ما تزال رواتبهم متواضعة إلى حد يقترب من راتب التقاعد. ومنذ لحظة تعيينهم، لم يحظَ هؤلاء باهتمام حقيقي يعكس حجم المسؤوليات الملقاة على عاتقهم، رغم تعاقب القيادات في وزارات المالية والخدمة المدنية والتربية والتعليم، وجميعهم يدركون طبيعة المعاناة التي يعيشها موظفو 2011م.
المفارقة أن كثيرًا من هؤلاء يشغلون اليوم مواقع حساسة في العملية التعليمية؛ فمنهم المعلم والإداري، ومنهم الموجه ومدير المدرسة، لكنهم جميعًا يتقاضون الرواتب ذاتها التي لم تتغير بما يتناسب مع سنوات الخدمة أو حجم العمل. وكأن الزمن توقف عند لحظة التعيين، بينما تضاعفت متطلبات الحياة وارتفعت كلفة المعيشة بصورة غير مسبوقة.
الأكثر إيلامًا هو ما يشعر به بعض هؤلاء من نظرة غير منصفة، إذ يُعاملون أحيانًا وكأن تعيينهم كان نتيجة ظروف سياسية لا علاقة لهم بها، فيتحملون ضغط العمل وتكثيف الحصص والمهام، دون تقدير يوازي ما يقدمونه من جهد. وهنا تتجلى معاناة مركبة: راتب محدود، وأعباء متزايدة، وشعور مستمر بالتجاهل.
لقد تحولت قضية موظفي 2011م إلى عنوان للظلم الوظيفي والنكران لخدمة امتدت لأكثر من عقد من الزمن. واضطر كثير منهم للبحث عن أعمال إضافية لتأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة، في ظل أزمة اقتصادية خانقة وارتفاع متواصل في الأسعار، ما انعكس سلبًا على استقرارهم النفسي والأسري.
صحيح أن بعض المتقاعدين والمرضى وأسر المتوفين حصلوا على جزء من حقوقهم عبر المكرمات والسلال الغذائية، وهي خطوة إنسانية تستحق التقدير، لكنها تبقى معالجة جزئية لا ترقى إلى مستوى الحل الجذري. فالمطلوب ليس مبادرات مؤقتة، بل رؤية عادلة تعيد الاعتبار لهذه الشريحة وتضمن لها حياة كريمة.
إن إعادة النظر في هيكلية الأجور لموظفي 2011م، سواء داخل قطاع التربية والتعليم أو في بقية المؤسسات، لم تعد مطلبًا فئويًا بقدر ما أصبحت ضرورة اجتماعية. فالعدالة في الرواتب ليست ترفًا إداريًا، بل أساس للاستقرار الوظيفي، ومحفز رئيسي لتحسين جودة التعليم، الذي يُعد حجر الزاوية في بناء الأوطان.
ومن هنا، فإن توزيع المكارم والهبات ينبغي أن يقوم على معايير واضحة تحقق مبدأ تكافؤ الفرص، لأن العدالة الاجتماعية لا تكتمل إلا حين يصل الدعم إلى مستحقيه الحقيقيين. فالمعلم والتربوي هو من صنع الطبيب والمهندس والقائد، وهو من أفنى صحته ووقته ليصنع أجيال المستقبل، ومن غير المنصف أن يبقى في ذيل سلم الاهتمام.
إنصاف هذه الفئة ليس مجرد استجابة لمطالب وظيفية، بل هو استثمار في مستقبل المجتمع كله. فحين يشعر المعلم بالأمان والتقدير، ينعكس ذلك مباشرة على أدائه، وعلى جودة مخرجات التعليم، وعلى استقرار المنظومة التربوية برمتها.
ويبقى الأمل معقودًا على أن تدرك الجهات المعنية أن العدالة في الأجور هي الطريق الأقصر لتعزيز الثقة بين الموظف والدولة، وأن المرحلة المقبلة يجب أن تحمل حلولًا حقيقية تنهي سنوات الانتظار، وتمنح موظفي 2011م ما يستحقونه من تقدير بعد رحلة طويلة من الصبر والعطاء.
فالعدل، كما قيل، هو أساس الملك، وبدونه لا تستقيم دولة ولا يزدهر مجتمع.