آخر تحديث :السبت-14 مارس 2026-11:32م

اليمن .. وعقدة سيف بن ذي يزن

السبت - 07 فبراير 2026 - الساعة 01:34 م
د. الخضر عبدالله

بقلم: د. الخضر عبدالله
- ارشيف الكاتب


بقلم د. الخضر عبدالله:


عقدة سيف بن ذي يزن

يبدو أن التاريخ لا يكتفي بسرد الحكايات، بل يُصرّ على تكرارها بصور مختلفة، وكأن الشعوب التي لا تتعلم من ماضيها محكوم عليها أن تعيشه مرة بعد أخرى. ومن أبرز النماذج التي تعكس هذا المعنى ما يُعرف بـ«عقدة سيف بن ذي يزن»، وهي عقدة الاستنجاد بالخارج لحل الأزمات الداخلية، حتى لو كان الثمن ضياع السيادة وضياع الحلم.

في الزمن القديم، خضعت اليمن لحكم الأحباش، فظهر سيف بن ذي يزن، وهو من سلالة ملوك حمير، يسعى لاستعادة ملك آبائه وأجداده وتحرير بلاده. طرق أبواب القوى الكبرى في عصره؛ بدأ بقيصر الروم، فرفض دعمه بحجة وحدة الدين مع الأحباش. ثم قصد النعمان بن المنذر، الذي أقر بعجزه العسكري، لكنه دلّه على كسرى ملك فارس. هناك بدأت القصة التي ستصبح رمزًا تاريخيًا للتدخل الأجنبي الذي يبدأ نصرةً وينتهي احتلالًا.

عندما قابل سيف بن ذي يزن كسرى، لم يجد منه حماسة حقيقية، بل منحه هدية من الذهب. غير أن سيفًا وزّع الذهب على حرس القصر، قائلاً عبارته الشهيرة: «كيف تعطيني ذهبًا وأنا أتيتك من أرض جبالها الذهب والفضة؟». أثارت هذه العبارة طمع كسرى، فقرر إرسال جيش من السجناء المحكوم عليهم بالإعدام، على قاعدة الربح في كل الأحوال: إن انتصروا توسع نفوذه، وإن هلكوا تخلّص منهم.

وبالفعل، انتصر الجيش الفارسي على الأحباش، لكن النتيجة لم تكن في صالح اليمن ولا في صالح سيف بن ذي يزن نفسه. فما لبث الجنود الفرس أن انقلبوا عليه وقتلوه، لتتحول اليمن من احتلال حبشي إلى ولاية فارسية، ويخسر صاحب الحق كل شيء. هكذا تحققت المأساة كاملة: استعانة بالخارج انتهت باستبدال محتل بآخر.

وفي التاريخ الحديث، يرى كثيرون أن المشهد تكرر بصور جديدة. فقد عانى اليمن لعقود من حكم استبدادي أنهك البلاد وأفقر الشعب ونهب الثروات، حتى ثار اليمنيون مطالبين بالحرية والكرامة. لكن الصراع لم ينتهِ بسقوط الحاكم، بل دخلت أطراف جديدة على الخط، وتحولت الخلافات الداخلية إلى بوابة لتدخل خارجي، أعاد إنتاج المأساة نفسها بأسماء مختلفة.

إن المقارنة بين فارس الأمس وإيران ودول عربية اليوم،(لا احب ذكرها) وبين كسرى القديم وأدوات النفوذ الحديثة، تعكس خوفًا عميقًا من أن تكون اليمن مرة أخرى ساحة صراع للآخرين، يدفع ثمنها شعبٌ يستحق الحياة والسلام.


وهكذا تبقى عقدة سيف بن ذي يزن درسًا تاريخيًا قاسيًا: أن الاستقواء بالخارج قد يبدو حلًا سريعًا، لكنه غالبًا ما يكون بداية لفقدان الوطن نفسه.