آخر تحديث :الأحد-08 فبراير 2026-01:37ص

أبين… تاريخ دولة لا يُقصى بقرار

السبت - 07 فبراير 2026 - الساعة 05:31 م
ناصر الفضلي

بقلم: ناصر الفضلي
- ارشيف الكاتب



ليس من السهل على أبناء أبين أن يتقبلوا مشهد تشكيل حكومة تخلو من حضور محافظتهم، وكأنها صفحة طُويت من سجل الدولة، أو رقم تم تجاوزه في معادلة الوطن. فالأمر هنا لا يتعلق بمنصب عابر أو حقيبة وزارية فحسب، بل بإحساس عميق بالضيم يمس هوية منطقة كان لها دور محوري في إدارة سفينة الدولة عبر مراحل تاريخية مختلفة.

أبين ليست محافظة عابرة في الذاكرة الوطنية، بل مدرسة دولة، ومخزون رجال، وأرض ارتبط اسمها بمفهوم النظام والقانون وبناء المؤسسات. من رحمها خرجت قيادات سياسية وعسكرية وأمنية ساهمت في تثبيت أركان الدولة، وحماية مسارها في أحلك الظروف. ولذلك فإن غيابها عن التشكيلة الحكومية يطرح تساؤلات مشروعة في الشارع:

هل ما يحدث مجرد توازنات سياسية؟ أم حسابات تحالفات؟ أم أن هناك توجهاً لإقصاء ثقل تاريخي معروف؟

قد يخضع تشكيل الحكومات لتعقيدات اللحظة السياسية وضغوط الداخل والخارج، لكن العدالة في التمثيل ليست ترفاً سياسياً، بل صمام أمان وطني. حين تشعر منطقة بحجم أبين أنها خارج المعادلة، فإن ذلك لا يُضعفها وحدها، بل يضعف شعور الانتماء العام ويُعمّق فجوة الثقة بين المجتمع ومؤسسات الحكم.

أبين لم تكن يومًا باحثة عن امتياز، بل كانت دائمًا في الصفوف الأولى تدفع الفاتورة الباهظة من دماء أبنائها دفاعًا عن تراب الوطن، وحماية لشرعيته، وتثبيتًا لمؤسساته. رجالها كانوا — ولا يزالون — حاضرين في كل جبهة وميدان، يقدمون التضحيات دون ضجيج، معتبرين أن الوطن فوق الجميع. لكن المؤلم أن تُقابل هذه التضحيات بالإقصاء والتهميش، وكأن الوفاء أصبح عبئًا لا يُكافأ.

القضية ليست صراع مناطق، ولا ينبغي أن تُختزل في هذا الإطار الضيق، بل هي مسألة شراكة وطنية عادلة. فالدولة لا تُدار بتجاهل القوى التي صنعتها، ولا بإبعاد الرموز التي ثبتت أركانها، بل بالاستيعاب والتكامل. وأي مسار يُشعر مكونًا وازنًا بأنه مُستبعد، يفتح أبواب الاحتقان التي لا تخدم أحدًا.

ومع ذلك، فإن تاريخ أبين يعلّم أبناءها درسًا ثابتًا: القيمة الحقيقية لا يمنحها المنصب، ولا يسلبها قرار. النفوذ الحقيقي يُبنى بالوعي، ووحدة الصف، والتماسك الاجتماعي، والحضور الفاعل في الميدان. المناصب تتغير، لكن الوزن السياسي والاجتماعي لمنطقة ضاربة الجذور لا يمكن شطبه.

أبين لم تكن طارئة على الدولة، ولن تكون. قد تغيب عن حكومة، لكنها لا تغيب عن المعادلة الوطنية. فالمناطق التي صنعت الدولة، وقدّمت الدم لحمايتها، لا يمكن أن تُدار وكأنها خارجها.


بقلم

اللواء ركن دكتور

ناصرمحسن الفضلي