في تاريخ الأمم والشعوب، تبرز شخصيات وطنية تكتسب ثقلها من قدرتها الفريدة على الوقوف في مناطق التوازن وسط العواصف. ويعد الدكتور شائع الزنداني، رئيس الوزراء اليمني، نموذجاً حياً لهذا النمط من رجال الدولة الذين لا يصنعهم المنصب، بل تصنعهم التجربة التراكمية العميقة. إننا أمام شخصية دبلوماسية وسياسية لم تكن يوماً رهينة للظروف، بل كانت دائماً فاعلاً أساسياً في صياغة المشهد منذ ثمانينيات القرن الماضي. وقد أهله لأن يصبح جسراً تاريخياً يربط بين الأجيال السياسية المختلفة ومنحه شرعية مهنية تتجاوز التجاذبات الحزبية الضيقة.
إن القوة الكامنة في شخصية الدكتور الزنداني تكمن في كونه "رجل الاستمرارية والاتزان"؛ فقد كان شاهداً وصانعاً للقرار في أدق المراحل التاريخية، بدءاً من عمله نائباً لوزير الخارجية في عدن قبل الوحدة (1986 – 1990)، وصولاً إلى تعيينه نائباً لوزير الخارجية للجمهورية اليمنية بدرجة وزير في مطلع التسعينيات. هذا العبور السلس بين المراحل السياسية مكنه من بناء شبكة علاقات متينة قائمة على الاحترام المتبادل، وهو أمر حيوي لليمن الذي يحتاج إلى دعم حلفائه في مرحلة التعافي. كل ذلك لم يكن ليحدث لولا امتلاكه كاريزما مهنية تجبر الجميع على احترام خبرته والوثوق في نزاهته.
لقد طاف الزنداني عواصم القرار العالمي سفيراً فوق العادة ومفوضاً، من لندن التي تدرك أهمية الشخصيات التي تلعب في ميدانها، إلى روما وعمّان والرياض، وصولاً إلى أروقة الأمم المتحدة في جنيف ومنظمة "الفاو". هذه الرحلة الطويلة لم تكن مجرد تنقلات دبلوماسية، بل كانت عملية "بناء جسور" مكنته من فهم لغة المصالح الدولية وكيفية مواءمتها مع السيادة الوطنية. إن خبرته كوزير مفوض وقائم بالأعمال في بغداد، وعمله مندوباً دائماً لدى منظمة التعاون الإسلامي، منحت اليمن صوتاً مسموعاً ومحترماً في أحلك الظروف.
إن ما يميز الدكتور الزنداني اليوم هو أنه يمثل حالة فريدة من التكنوقراط الذين صهرت الأزمات خبراتهم، ليتحولوا إلى مهندسي توازنات في مشهد جيوسياسي بالغ التعقيد. فهو الشخصية التي تجيد لغة الحوار الهادئ والقرار الحازم في آن واحد. وبفضل هذه الحنكة التي صقلتها عقود من العمل في سفارات اليمن وصياغة سياستها الخارجية، بات ينظر إليه كضمانة حقيقية للاستقرار المؤسسي داخل أجهزة الدولة.
ومن هذا المنطلق، وبناءً على هذه المسيرة الحافلة، كان من الطبيعي أن يحتفظ الدكتور الزنداني بمنصب وزير الخارجية وشؤون المغتربين إلى جانب رئاسته للحكومة. إن هذا القرار ليس مجرد تدبير إداري فقط، بل هو استراتيجية مدروسة لضمان استكمال عملية الإصلاح الهيكلي التي بدأها منذ تعيينه كوزير للخارجية. وهي المهمة التي لا يمكن لغير خبير بوزنه أن يتمها، لضمان بناء جهاز دبلوماسي حديث يليق بتطلعات اليمن الجديد ويواكب حجم التحديات الراهنة.