في السياسة، لا تُقاس المواقف بثباتها الظاهري، بل بلحظة التحول التي تكشف جوهر المصالح وحدود الصبر الاستراتيجي. وما جرى في المشهد اليمني، خلال ديسمبر ويناير الماضيين، خصوصًا في جنوبه وشرقه، لا يمكن فهمه بقراءة مبتورة تتجاهل سياق عقدٍ كامل من إدارة التحالف العربي وتعقيداته.
منذ انطلاق عاصفة الحزم، كانت المملكة العربية السعودية تقود التحالف العربي، وكانت الإمارات شريكًا فاعلًا فيه. وخلال سنوات طويلة، لم يكن الدور الإماراتي في جنوب اليمن وشرقه غائبًا عن نظر السعودية، بل جرى التغاضي عنه أو التعايش معه ضمن حسابات التحالف، وتحت سقف معركة كبرى عنوانها مواجهة المشروع الحوثي.
غير أن موقف الإمارات داخل التحالف، تطور تدريجيًا إلى توغل سياسي وأمني منفلت، تمثل في، بناء ميليشيات خارج إطار الدولة، وإعادة تشكيل الجغرافيا الأمنية، وتعطيل الحكومة الشرعية في مناطق يُفترض أنها محررة. ومع مرور الوقت، لم يعد هذا المسار مجرد عبء على الشرعية اليمنية، بل تحول إلى تهديد مباشر لأمن واستقرار الإقليم.
وهنا وقعت نقطة التحول الحاسمة.
حين اقترب نفوذ الأدوات الإماراتية، وميليشيات المجلس الانتقالي، من تخوم الأمن القومي السعودي، لم يعد ممكنًا الاستمرار في سياسة التغاضي. عند هذه اللحظة، أعادت السعودية قراءة المشهد بعيون أمن الدولة لا بحسابات الشراكة، وانتقل موقفها من التغاضي إلى الاحتواء الحازم، ثم إلى تصحيح المسار لصالح الحكومة الشرعية ووحدة القرار.
هذا التحول ليس إنكارًا للماضي، بل مراجعة استراتيجية فرضتها الوقائع. وهو ما يجعل الفرح اليمني اليوم فرحًا مفهومًا ومشروعًا، لا ساذجًا ولا عاطفيًا.
القرآن، حين تحدث عن انتصار الروم على الفرس، لم يكن يوزع شهادات حسن سلوك، بل كان يلفت النظر إلى لحظة تحوّل دولي قال فيها:
الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ ۗ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ ۚ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ ۚ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ
فرحٌ بتحقق وعد، وبانكسار مشروع أشد عداءً، وبانتقال ميزان القوة إلى وضع أقل ظلمًا. والتشبيه هنا تشبيه سنن ودلالات، لا تفويض ولا قداسة.
في السياق اليمني، لم يكن الفرح بخروج الإمارات من مشهد الجنوب والشرق فرح انتقام، بل ارتياح وطني لانحسار مسار ثبت أنه يضعف الدولة، ويستنزف الشرعية، ويخلق صراعات جانبية لا تخدم إلا أعداء اليمن.
كما أن الاستبشار بالدور السعودي الجديد، هو انحياز لمسار أثبت في نتائجه العملية، أنه أقرب إلى دعم الدولة:
تحسن في الخدمات، انتظام في المرتبات، تفكيك بؤر مسلحة، وإعادة فتح المجال أمام الحكومة الشرعية لتعمل دون سكاكين في خاصرتها.
الفرح هنا ليس فرح تبعية، بل فرح إدراك، إدراك أن المعركة الحقيقية ليست بين أبناء الجنوب أو الشرق، بل ضد مشروع انقلابي طائفي في صنعاء، وأن ترتيب الجبهة الداخلية في المناطق المحررة هو الشرط الأول لهزيمة الحوثي واستعادة الدولة اليمنية كاملة.
إن التحول في الموقف السعودي، مهما تأخر، يشكل اليوم فرصة سياسية لا يجوز إهدارها بالشك المطلق ولا بإعادة إنتاج الفوضى.
فرصة لتمكين الشرعية، وتوحيد القرار، وإنهاء مرحلة الميليشيا، والعبور نحو معركة اليمن الكبرى، في استعادة صنعاء، وإنهاء الانقلاب، وبناء دولة لكل اليمنيين.
وفي لحظات كهذه، يصبح الفرح موقفًا سياسيًا واعيًا، لا نشوة عابرة، ولا اصطفافًا أعمى.
—------------------------------------
✍️ عبدالعزيز الحمزة
الاثنين ٩ فبراير ٢٠٢٦م