آخر تحديث :الأربعاء-25 مارس 2026-12:35ص

حكومة الكفاءات أم الحكومة الرمزية: أيهما تحتاجه اليمن اليوم؟

الإثنين - 09 فبراير 2026 - الساعة 08:28 م
عوض عميران

بقلم: عوض عميران
- ارشيف الكاتب


في ظل الأزمات المتلاحقة التي تواجه اليمن، يطرح سؤال أساسي: هل تكفي حكومة الكفاءات لإعادة بناء الدولة، أم أننا بحاجة إلى قيادة قادرة على استنهاض روح الوطنية للشعب وتحويله إلى شريك فاعل في مواجهة التحديات الكبرى؟

كثيرًا ما ترى بعض الأحزاب والقوى السياسية أن حكومة الكفاءات مريحة، فهي تمنحهم شعورًا بالتخفف من المسؤولية الوطنية، فتخرج من حرج الإجابة عن أسئلة النجاح والفشل. وغالبًا ما تكون هذه الأسئلة مرتبطة بتعقيدات الواقع الميداني، وتشابك التدخلات الإقليمية وتأثيرها على أداء الحكومه.

لكن التجارب التاريخية والمعاصرة تثبت أن المجتمعات التي تعيش ظروفًا استثنائية، سواء في الحرب أو في مسار استعادة الدولة ومؤسساتها، لا يمكن أن تعتمد على الإدارة التقنية وحدها. ففي هذه الظروف، تظهر الحاجة إلى حكومات ذات طابع رمزي، قادرة على مخاطبة الجماهير، وتحريك روح الوطنية، واستنهاض الأمة لتصبح شريكًا فاعلًا في مواجهة المخاطر الوجودية التي تهدد الدولة.

فعلى غرار التجارب العالمية، يتضح أثر الرمزية القيادية في توحيد الشعوب واستنهاضها في أوقات الأزمات. ففي فرنسا أثناء الحرب العالمية الثانية، ومع احتلال الأراضي الفرنسية من قبل الألمان، كانت الحكومة الفرنسية الشرعية تتحرك من خارج الحدود، لكن رمزية تشارلي ديغول كقائد وطني كان لها تأثير واضح في توحيد القوى الفرنسية المقاومة، ما مكنها لاحقًا من استعادة الدولة تحت قيادته ورمزيته الوطنية. كما شهدت جنوب أفريقيا، مع سقوط نظام الفصل العنصري، منعطفًا تاريخيًا مهمًا لعب فيه نيلسون مانديلا كرمز وطني دورًا محوريًا في قيادة البلاد نحو الحرية والعدالة الاجتماعية، ليصبح رمزًا عالميًا تجاوز تأثيره حدود جنوب أفريقيا وألهم شعوب العالم. هذه التجارب تؤكد أن الرمزية القيادية ليست رفاهية سياسية، بل عنصر أساسي لاستعادة الدولة وبناء وحدة وطنية، وهو درس يمكن أن نستفيد منه في مسيرة النضال لاستعادة الدولة اليمنية وتعزيز مؤسساتها.

الحكومة الكفؤة تركز على الملفات التقنية والإدارية، لكنها غالبًا تفتقد القدرة على تحريك الجماهير وخلق شراكة حقيقية بين الشعب والدولة، بينما الحكومة الرمزية تعطي الأولوية للبعد الاجتماعي والسياسي، وتستطيع أن توحد الصفوف وتبني صمودًا وطنيًا حقيقيًا حتى في أصعب الظروف. لذلك، الحل الأمثل يكمن في مزيج متوازن: حكومة قادرة على الإدارة الكفؤة، مع قيادة تحمل بعدًا رمزيًا قادرًا على مخاطبة الشعب واستنهاض طاقاته الوطنية. فهذا التوازن هو ما يضمن للصمود الوطني أن يتحول من مجرد شعار إلى واقع ملموس، ويحول التحديات إلى فرص لإعادة بناء الدولة واستعادة الثقة بالمؤسسات.

إن اليمن اليوم بحاجة إلى قيادة وطنية رمزية عابرة للجغرافيا، قيادة إذا تحدثت في عدن أنصتت لها صنعاء، وإذا نادت في تعز استجابت لها مأرب وحضرموت، قيادة تعيد تعريف الوطن بوصفه معنى جامعًا لا مساحة انقسام.