آخر تحديث :الأربعاء-11 فبراير 2026-01:27ص

العلماء ومقاومة التجديد .. قراءة في تجربة ابن تيمية

الثلاثاء - 10 فبراير 2026 - الساعة 09:18 م
ناصر الوليدي

بقلم: ناصر الوليدي
- ارشيف الكاتب


عندما نهض شيخ الإسلام ابن تيمية بمشروعه التجديدي، لم يكن هدفه إحداث قطيعة مع التراث، بل إعادة وصل الأمة بمنهج السلف الصافي، وتنبيهها إلى أخطار فكرية وعقدية تهدد وعيها الديني. والمفارقة اللافتة في تجربته أن أشد معارضيه لم يكونوا من خصوم الإسلام الظاهرين، بل من داخل الدائرة العلمية نفسها.

غير أن هذه المعارضة لم تصدر عن جهل أو طمع دنيوي في غالبها، بل عن علماء كبار، زهاد وعبّاد ومحققين، رأوا أن ما يطرحه ابن تيمية يصادم المألوف العلمي، ويكسر استقرارًا فقهيا وعقديا ألفوه، فخافوا من آثاره على العامة والنظام العلمي القائم.

وهنا تتكرر سنّة تاريخية: أن المصلح غالبًا ما يُواجَه أولًا من داخل المؤسسة التي ينتمي إليها، لا لأنه مخطئ بالضرورة، بل لأنه يفرض أسئلة جديدة، ويوقظ إشكالات مؤجلة، ويكسر منطقة الراحة الفكرية. فيبدو صوته صادمًا، كصياح الديك الذي يعلن الفجر في قرية غارقة في النوم.

ومع ذلك، لم تكن مواقف العلماء من ابن تيمية على درجة واحدة؛ فمنهم من غلظ عليه حتى كفّره، ومنهم من خالفه في مسائل محددة مع الاعتراف بفضله، ومنهم من أنصفه علميًا وإن لم يستوعب مشروعه الإصلاحي الكامل.

ولو أن ابن تيمية تهيّب تلك القامات العلمية، أو آثر السلامة على المواجهة، لما وصل أثر مشروعه إلى ما بلغه من الامتداد والتأثير. لقد صبر وثبت، لا استخفافًا بالعلماء، بل إيمانًا بأن الحق لا يُقاس بكثرة المخالفين، وأن التجديد الصادق ثمنه الابتلاء.

والتاريخ – كما يبدو – لا يزال يعيد نفسه؛ فكم من مصلح وداعية صادق وُوجه بالتشويه، أو الإقصاء، أو الاتهام،أو التكفير أو التبديع، أو السجن أو النفي أو التوقيف أو الإقامة الجبرية لا لشيء إلا لأنه قال لقومه: انتبهوا… لقد أقبل الفجر.


*أبو زين الوليدي*