آخر تحديث :الإثنين-23 فبراير 2026-02:52ص

" رمضان كريم ياحكومتنا "

الأربعاء - 11 فبراير 2026 - الساعة 11:38 ص
حسين سالم العولقي

بقلم: حسين سالم العولقي
- ارشيف الكاتب


جاء رمضان هذا العام كعادته، شهرًا للعبادة والسكينة والتكافل الاجتماعي، لكنه حمل معه حدثًا سياسيًا لافتًا، تمثّل في إعلان تشكيل حكومة جديدة تضم 35 وزيرًا. نعم خمسة وثلاثين وزيرا


وقبيل الإعلان الرسمي، شهدت البلاد تحسّنًا مفاجئًا في الخدمات الأساسية؛ عادت الكهرباء بعد انقطاعات طويلة، جرت المياه في الصنابير الجافة، وبدت بعض مظاهر الانضباط الخدمي والتي استيقظت من سبات عميق. اللهم لا حسد


هذا التحسّن السريع والمركّز دفع كثيرين للتساؤل: هل جاء رمضان هذاء العام ورزقة معه كما يقال؟ أم رسالة طمأنة مبكرة؟ أم مجرد مشهد عابر سرعان ما ينتهي بانتهاء المناسبة؟ على أي حال، يبقى المواطن ممتنًا لكل تحسّن، ولو كان مؤقتًا…


كان جدي يقول "كثر الطباخين يعطّل المرق "وبرغم قناعتي بالحكمة، أتمنى هذه المرة أن يُخطئ جدي، وأن تستمر الخدمات بعد إعلان هذه الحكومة الضخمة.


لقد كانت الحكومة السابقة تشكو من قلة الموارد وصعوبة تقديم الخدمات، والآن لدينا 35 وزيراً سيتقاسمون نفس الموارد الشحيحة. وتبقى المعادلة كلما زاد عدد الوزراء، قلّت حصة المواطن من الاهتمام الحكومي


نأمل ان تكون الحكومة عادلة وارجو ان تكون اعقل من ان تلجأ الى موجة جديدة من رفع الاسعار نحن في ظرف اقتصادي هش، أي صدمة جديدة قد تتحول إلى فرصة تستثمرها التيارات المخربة.

وأقل ما يُرجى هو الحفاظ على الحد الأدنى من الخدمات التي تحسّنت قبل إعلان الحكومة وعلى الدكتور الزنداني ان يحذف من بنود الميزانية كافة ألوان البذخ الحكومي ومنها رحلات الوفود السياحية الحكومية الى انحاء العالم وان تعيش الحكومة على ارض الواقع


المواطن اليمني معتاد على الصيام في رمضان من الفجر حتى المغرب، لكنه معتاد وللأسف على "صيام" آخر يستمر طوال العام صيام عن الكهرباء المستقرة، عن الرواتب المنتظمة، عن الخدمات الصحية اللائقة. والسؤال الذي يطرح نفسه: هل الـ 35 وزيراً سيفطّرون الشعب من هذا الصيام الطويل؟ أم أنهم مجرد "زيادة عدد الصائمين" على مائدة فارغة؟


في هذا الشهر الفضيل، يتساوى الجميع أمام الجوع والعطش الغني والفقير، الوزير والمواطن البسيط كان من المفترض أن نشهد لحظة تأمل جماعية، لحظة تجعل من يجلس على كرسي السلطة يدرك معنى الحاجة الحقيقية. لكن اعتقد أن الدرس الذي تعلمته السلطة مختلف: إذا كان الشعب جائعاً، فلنزد عدد الطهاة، حتى وإن لم يكن في المطبخ سوى قدر واحد!


منذ فجر التاريخ السياسي، والحكومات تواجه معضلة أزلية: كيف تحل مشاكل معقدة بموارد محدودة؟ الإجابة التقليدية كانت دائماً بالكفاءة، بالتخطيط، بالإخلاص للمصلحة العامة. لكن الإجابة لدى حكومتنا المعاصرة مختلفة تماما: بمضاعفة عدد المسؤولين!


دعونا نكن منصفين ونطرح السؤال الجوهري: لماذا 35 وزيراً؟


واعتقد ان الإجابة الرسمية ستكون حتماً عن "التمثيل الواسع"، و"المشاركة الشاملة"، و"توزيع المسؤوليات". لكن الإجابة الواقعية أعمق وأمر إنها محاصصة سياسية، إرضاء لأطراف متصارعة، ترضية لمكونات متناحرة، وشراء ولاءات بمناصب ممولة من جيب شعب لا يملك شيء.


ان هذا البلد الذي يعاني من أسوأ أزمة إنسانية في العالم حسب الأمم المتحدة يجد نفسه قادراً على تمويل 35 راتباً وزارياً، بينما عاجز عن تأمين راتب لمعلم! ما يجعل قدوم هذه الحكومة في رمضان ذا دلالة خاصة، هو أن هذا الشهر الفضيل يعيد تعريف معنى الأولويات. الصائم يدرك أن الحياة يمكن أن تستمر بأقل القليل، وأن الكماليات ليست ضرورات، وأن الجوهر أهم من المظهر


لو كنت مستشاراً لهذه الحكومة وأعلم أن هذا خيال بعيد لاقترحت تطبيق "مبدأ الضرورة القصوى" كل وزارة يجب أن تثبت ضرورتها الملحة لحياة المواطن اليومية. وزارة الصحة؟ ضرورية. التعليم؟ ضرورية. الكهرباء والمياه؟ أساسية. اليمن يحتاج حكومة طوارئ حقيقية. حكومة صغيرة، رشيقة، محددة الأهداف، واضحة المسؤوليات. حكومة تدير الأزمة لا تزيدها تعقيداً.


تخيلوا معي: 7 وزراء فقط، كل منهم مسؤول عن قطاع حيوي، وكل منهم يملك صلاحيات واضحة وموارد كافية ومحاسبة صارمة. أليس هذا أفضل من 35 وزيراً يتقاسمون المسؤولية حتى تضيع، ويتبادلون اللوم حتى يختفي المسؤول الحقيقي


الوضع لا يحتمل الترف البيروقراطي.. نحتاج "ميثاق طوارئ وطني" يتجاوز المحاصصة والانتماءات، يضع أهدافاً واضحة لستة أشهر فقط:


استعادة الخدمات الأساسية لـ 50% من المدن، دفع رواتب متراكمة لموظفي الدولة إعادة تأهيل المستشفيات والمدارس المتضررة وضع خطة اقتصادية لوقف انهيار العملة


اهداف قابلة للقياس، ومحددة زمنياً. إن فشلت الحكومة في تحقيقها، فلتستقل بشرف. على الأقل سيكون للفشل موعد محدد. ّ رمضان يمر سريعا لكن الفرص التاريخية لا تمرّ كثيرًا وهذه فرصة لأن يثبت الـ 35 وزيرًا أن الرقم لا يعني التضخم فرصة ليُثبتوا أن الدولة يمكن أن تعود اقوى.


ويبقى السؤال معلقًا في هواء هذا البلد هل سيكتب التاريخ أن 35 وزيرًا مرّوا من هنا…أم سيكتب أنهم غيّروا مسارًا يميل نحو السقوط؟