آخر تحديث :الأحد-22 مارس 2026-12:14ص

حضرموت … وخبث التغيير

الأربعاء - 11 فبراير 2026 - الساعة 01:52 م
د. محمد جمال عبدالناصر بن عبود

بقلم: د. محمد جمال عبدالناصر بن عبود
- ارشيف الكاتب


بقلم / د. محمد جمال عبدالناصر بن عبود


ما يجري في حضرموت لم يعد مجرد تحركات عسكرية عابرة، ولا انتشار أمني يمكن تفسيره بضرورات المرحلة. ما يحدث – كما يراه كثير من أبناء المحافظة – يشبه عملية إعادة تشكيل بطيئة للواقع السكاني والسياسي، تُدار بهدوء، ولكن آثارها قد تكون عميقة وممتدة لعقود قادمة.

حضرموت، التي ظلت تاريخياً أرضاً للتوازن والتعايش، تجد نفسها اليوم أمام أسئلة مصيرية: من يدخل أرضها؟ ومن يُعاد تشكيل نفوذه داخلها؟ ومن يملك القرار في رسم مستقبلها؟

روايات دخول حافلات تقل أعداداً كبيرة من الأفراد إلى المحافظة لم تعد مجرد همسات مجالس أو أحاديث شبكات التواصل، بل تحولت إلى ملف يتردد في النقاشات الشعبية والسياسية على حد سواء. وفي الوقت الذي تم فيه إبعاد أو تهميش بعض القوى المحلية التي كانت تشكل جزءاً من المشهد الأمني والعسكري، ظهر واقع جديد فرضته قوى قادمة بثقلها ونفوذها، وسط حالة من الصمت الرسمي المثير للتساؤل.

وتتعزز هذه المخاوف مع ما يتداوله ناشطون ومتابعون عن تزامن دخول حافلات تقل أعداداً كبيرة من الأفراد مع تحركات الأطقم العسكرية، في مشهد يراه البعض غطاءً لتمكين تلك الكتل البشرية من التمركز داخل مدينة المكلا، قبل أن يظهر جزء منها لاحقاً في الساحات والمشهد العام بصورة منظمة. ويشير هذا الطرح إلى أن التحقق القانوني من أوضاع بعض المواقع العسكرية، ومن بينها معسكر الريان، قد يكشف – في حال تم عبر جهات حضرمية رسمية وشفافة – حجم الوجود غير المعلن داخل تلك المواقع. كما يرى أصحاب هذا الرأي أن إعادة تنظيم إصدار بطاقات الهوية عبر لجان محلية مختصة قد تمثل خطوة تنظيمية تسهم في ضبط السجل السكاني وكشف أي حالات وجود غير قانوني، مؤكدين أن فتح تحقيقات شفافة وإعلان نتائجها للرأي العام عبر الوسائل الإعلامية الرسمية يعد عاملاً مهماً لتعزيز الثقة المجتمعية وقطع الطريق أمام أي مشاريع تهدد استقرار حضرموت أو تسعى إلى توظيفها في صراعات النفوذ.

التاريخ الحضرمي ليس بريئاً من مثل هذه التحولات. فقد شهدت المنطقة في مراحل سابقة إدخال قوى بشرية وعسكرية ضمن حسابات السلطة والنفوذ، وانتهت تلك التجارب غالباً بإعادة رسم الخريطة الاجتماعية والسياسية للمحافظة. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل يُعاد إنتاج المشهد ذاته ولكن بوسائل أكثر تنظيماً وأقل ضجيجاً؟

المخاوف التي يطرحها الشارع الحضرمي لا تتعلق برفض الآخر أو الانغلاق، بل بالخوف من أن تتحول المحافظة إلى ساحة صراع نفوذ تُدار فيها التوازنات بعيداً عن إرادة أبنائها. فالتغيير الديموغرافي – إن حدث – لا يكون مجرد أرقام في سجلات مدنية، بل يتحول مع الوقت إلى تغيير في القرار السياسي، والهوية الثقافية، وحتى في ملامح الاستقرار الاجتماعي.

إن أخطر ما يواجه حضرموت اليوم ليس فقط دخول قوى جديدة، بل غياب الشفافية حول طبيعة هذا الوجود وأهدافه وحدوده القانونية. فالدول والمجتمعات القوية لا تخشى التنظيم القانوني للسكان ولا مراجعة سجلاتها المدنية، لأن الشفافية هي الضمانة الأولى للاستقرار.

إن فتح ملفات السجل المدني، ومراجعة آليات إصدار الوثائق الرسمية، وتنظيم أوضاع المقيمين، ليست إجراءات استثنائية كما قد يحاول البعض تصويرها، بل أدوات سيادية تلجأ إليها الدول عندما تشعر بأن تركيبتها السكانية قد تُستغل في مشاريع نفوذ أو صراعات سياسية.

وفي المقابل، فإن العدالة تظل خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه. فكل من يثبت تورطه في أعمال عنف أو إشعال صراعات داخل المجتمع يجب أن يمثل أمام قضاء مستقل، لأن الإفلات من المحاسبة هو الوقود الحقيقي للفوضى والانقسام.

حضرموت اليوم تقف على مفترق طرق تاريخي. فإما أن تُدار تحولات المرحلة بشفافية وشراكة حقيقية مع أبنائها، أو أن تستيقظ المحافظة بعد سنوات على واقع جديد لم يُصنع بإرادتها.

التاريخ يخبرنا أن التغييرات الكبرى لا تبدأ دائماً بصوت الرصاص… بل كثيراً ما تبدأ بصمت الحافلات التي تدخل المدن دون أن يسأل أحد: إلى أين تتجه؟ ولماذا جاءت؟ ومن الذي دعاها؟

د محمد جمال عبدالناصر بن عبود