في وقت تعيش فيه البلاد واحدة من أعقد مراحلها السياسية والاقتصادية، يطفو إلى السطح سؤال مشروع: هل نحن أمام حكومة تدير دولة بحجم الولايات المتحدة، أم أمام سلطة تتوسع في المناصب بينما تتقلص رقعة السيطرة والخدمات؟
تشكيل وزارة تضم نحو 36 وزيرًا في ظل واقع تتسم فيه الدولة بضعف السيطرة الميدانية وغياب الاستقرار الاقتصادي والأمني، يثير الكثير من علامات الاستفهام. فالحكومة التي لا تبسط نفوذها الكامل على الجغرافيا الوطنية، ولا تمتلك مؤسسات عسكرية وأمنية موحدة وفاعلة، تبدو وكأنها تعيش تضخمًا إداريًا لا يتناسب مع قدراتها ولا مع أولويات المرحلة.
المفارقة التي يتداولها الشارع تتمثل في المقارنة مع الولايات المتحدة الأمريكية، التي تدير واحدة من أكبر الاقتصادات في العالم عبر حكومة اتحادية تضم عددًا محدودًا نسبيًا من الوزراء، فيما تُترك بقية التفاصيل لإدارات وهيئات متخصصة ضمن نظام مؤسسي واضح. وبينما قد تختلف طبيعة النظامين السياسيين اختلافًا جذريًا، تبقى الفكرة الأساسية حاضرة: تقليص الهياكل العليا لصالح كفاءة الأداء وترشيد الإنفاق.
في الحالة اليمنية، يرى منتقدون أن توسع عدد الوزارات لا يقف عند حدود الوزراء، بل يمتد إلى نواب الوزراء والوكلاء والوكلاء المساعدين ومديري العموم، بما يخلق هرمًا إداريًا متضخمًا يستهلك الجزء الأكبر من الموازنة في نفقات تشغيلية ورواتب ومخصصات، بدل توجيهها نحو الخدمات الأساسية كالكهرباء والمياه والتعليم والصحة.
ويذهب البعض إلى أن عدداً من القطاعات لا تستدعي بالضرورة وجود وزارة مستقلة، بل يمكن إدارتها عبر هيئات أو مؤسسات عامة تتبع وزارة سيادية، بما يقلل الكلفة ويرفع مستوى المساءلة. فبدلاً من تعدد الوزارات، يمكن – وفق هذا الطرح – التركيز على حقائب محدودة تعكس أولويات المرحلة: الأمن، الدفاع، التعليم، المالية والاقتصاد، والصناعة والثقافة والسياحة، على أن تُدار بقية القطاعات عبر أجهزة تنفيذية مرنة.
الأزمة لا تكمن فقط في عدد الوزراء، بل في غياب الأثر الملموس على حياة المواطنين. فالشعب الذي يعاني من تدهور العملة، وانقطاع الرواتب، وضعف الخدمات، يتساءل عن جدوى هذا التوسع الإداري في ظل اقتصاد منهك وثروات طبيعية – نفطية وغازية ومعدنية – لا تنعكس على مستوى معيشته.
إن التحدي الحقيقي أمام أي حكومة في هذه المرحلة ليس في عدد الحقائب الوزارية، بل في قدرتها على استعادة مؤسسات الدولة، وفرض النظام، ومحاربة الفساد، وتوجيه الموارد نحو إعادة بناء الاقتصاد وتحسين الخدمات. فالدولة لا تُقاس بعدد وزرائها، بل بقدرتها على تلبية احتياجات مواطنيها وصون كرامتهم.
وبين تضخم الهياكل وتقلص الخدمات، يبقى السؤال مفتوحًا: هل الأولوية اليوم لتوزيع المناصب، أم لإعادة بناء دولة فاعلة تستحقها التضحيات ويطمح إليها المواطن؟