آخر تحديث :الأربعاء-11 فبراير 2026-08:19م

الاعتياد كأخطر أشكال القمع

الأربعاء - 11 فبراير 2026 - الساعة 05:18 م
سارة الظهر

بقلم: سارة الظهر
- ارشيف الكاتب


لا يُفرض القمع دائمًا بالقوة، أحيانًا يُمرَّر بالتعويد.

حين يُعاد إنتاج الخلل يومًا بعد يوم، لا ليُعالج بل ليُصبح مألوفًا، يتحوّل الاعتياد إلى أداة حكم صامتة، أكثر فاعلية من المنع، وأطول عمرًا من القمع الصريح.

في هذا الشكل من السيطرة، لا يُطلب منك أن توافق؛ يكفي أن تتكيّف.

أن تعرف أن ما يحدث خطأ، ثم تواصل حياتك كأن المعرفة وحدها تكفي. هكذا يُفصل الوعي عن الفعل، ويُعاد تعريف الصمت على أنه حكمة، والاحتجاج على أنه تهوّر.

الاعتياد لا يُلغي الغضب، لكنه يُفرغه من أثره.

يجعلك تشعر دون أن تتحرّك،

تفهم دون أن تُسمّي،

وترى دون أن تسأل.

السياسة هنا لا تُعلن عن نفسها، لأنها لا تحتاج إلى ذلك.

هي حاضرة في إدارة الممكن، وفي خفض سقف التوقّع، وفي تحويل الاستثناء إلى قاعدة، والخلل إلى “وضع طبيعي”. وحين يُقدَّم الواقع بوصفه أقصى ما يمكن احتماله، يصبح الاعتراض خروجًا عن المنطق، لا عن النظام.

الأخطر أن هذا القمع لا يُنتج ضحايا واضحين، بل مجتمعًا مُنهكًا، يعرف أكثر مما يحتمل، ويصمت أكثر مما ينبغي. الجميع متأذٍ، والجميع متورّط بدرجات متفاوتة، والجميع مُدرَّب على الاستمرار.

الاعتياد هو القمع الذي لا يحتاج إلى تبرير، لأنه لم يعد يُرى كقمع.

وحين نفقد الدهشة، نفقد المقاومة.

وحين نتوقف عن الاستغراب، نُسلِّم إدارة حياتنا لمن اعتادوا إدارتها بدلًا عنا.

كسر هذه الدائرة لا يبدأ بالشعارات، بل برفض المألوف حين يكون ظالمًا.

بإعادة تسمية الأشياء، واستعادة الحق في السؤال، وربط الوعي بالفعل من جديد.

فما يُعتاد… يُدار.

وما يُدار بلا مساءلة… يُحكَم.

بقلم: سارة الظهر

التاريخ: 7 فبراير 2026