في خضم واحدة من أعقد المراحل التي مرّ بها اليمن، يبرز اسم الرئيس عبدربه منصور هادي بوصفه حالة سياسية استثنائية في تاريخ الحكم اليمني الحديث. رجلٌ جاء في لحظة انتقالية صعبة، وحاول أن يؤسس لدولة مدنية حديثة، لا تقوم على الوراثة ولا على العنف، بل على الشراكة والمؤسسات.
كان هادي، بشهادة الوقائع، رئيسًا وطنيًا هادئًا، لا يعشق الأضواء ولا يتغذى على الصراعات. وقد بدت ملامح مشروعه واضحة منذ سنواته الأولى، حين اتجه إلى إعادة تموضع اليمن اقتصاديًا واستراتيجيًا، وكان أبرز ذلك الاتفاق التاريخي مع جمهورية الصين الشعبية في نوفمبر 2013، لتطوير ميناء عدن بكلفة تجاوزت 507 ملايين دولار. مشروع ضخم كان من شأنه أن يعيد لعدن مكانتها كميناء عالمي، عبر إنشاء أرصفة حديثة وتوسعة القنوات الملاحية بعمق 18 مترًا، غير أن انقلاب الحوثيين، المتحالفين آنذاك مع الرئيس السابق علي عبدالله صالح، أجهض هذا الحلم قبل أن يرى النور.
ذلك المشروع، وغيره من خطوات هادي الإصلاحية، شكّل مصدر قلق حقيقي لقوى النفوذ التقليدية. ولم يكن غريبًا أن ينقلب صالح على المسار الانتقالي، ويسلّم الجيش والدولة لتحالف دموي مع الحوثيين، في محاولة للانتقام من رئيس لم يكن جزءًا من منظومته. ولعل عبارته الشهيرة: «صاحب أبين أفضل مني… صاحب أبين يحكمنا» تختصر حجم الغضب من رجل لم يخضع لقواعد اللعبة القديمة.
ورغم كل ما واجهه هادي من ضغوط واستفزازات، بما في ذلك منعه من العودة إلى عدن، ومنع طائرته من الهبوط، وفرض وقائع عسكرية بالقوة، إلا أنه اختار طريقًا نادرًا في منطقتنا: سلّم صلاحياته كاملة لمجلس القيادة الرئاسي، بقرار سيادي هادئ، دون إراقة قطرة دم، ودون اشتراطات، ودون ترتيب لمصالح أسرية أو شخصية.
لم يكن ذلك ضعفًا، بل تعبيرًا عن قناعة سياسية وأخلاقية عميقة، بأن السلطة مسؤولية لا غنيمة، وأن الدم اليمني أغلى من أي كرسي. وهو ما يفسر أيضًا الصورة التي عرفها الناس عن أبنائه، ناصر وجلال، بوصفهم شخصيات بعيدة عن الاستعراض، قريبة من الناس، منخرطة في العمل الخيري ودعم المحتاجين، دون استغلال للنفوذ أو صخب إعلامي.
سيختلف كثيرون حول تجربة هادي، لكن من الصعب إنكار حقيقة واحدة: أنه غادر الحكم بإرادته، وبقي رئيسًا شرعيًا في الوجدان السياسي، ورمزًا نادرًا لرجل اختار أن يترجل حين كان بوسعه أن يقاتل… لكنه فضّل أن يحمي وطنًا يتآكله الدم.