آخر تحديث :الجمعة-20 فبراير 2026-02:05ص

كيف تجاوزت السعودية عنق الزجاجة ؟ وكيف أعادت تموضعها في النظام الدولي ؟

الأربعاء - 11 فبراير 2026 - الساعة 08:24 م
سلطان مشعل

بقلم: سلطان مشعل
- ارشيف الكاتب


مع مطلع تسعينيات القرن الماضي تفكك الاتحاد السوفياتي وتبدد حلف وارسو وانهارت المنظومة الاشتراكية ليجد العالم نفسه أمام قطبية واحدة هي الولايات المتحدة الأمريكية والتي اندفعت بشكل سريع لملء الفراغ الذي تركه السوفيات وكان حتما على دوائر صنع القرار بالولايات المتحدة ووكالات استخباراتها تحديد جهة ما لتبني عدائها والتحشيد ضدها والتدخل في شئون الدول بذريعة مواجهة (المخاطر) التي يمثلها ذلك العدو وتلك الجهة .

ونظرا لصعوبة وجود جهة أو عدو يمكن للأمريكان إقناع العالم بخطورته وضرورة مواجهته وحينها كان (الطلب) أقوى من (العرض) في هذا الصدد بكثير وتحت ضغط ذلك (الطلب) كان لابد من تحديد عدو وإبرازه للعالم على أنه الخطر والتحدي فكان ما سمي بـ "الارهاب" وبدون تعريف محدد لهذا المصطلح فرضت واشنطن على الجميع محاربته وفق رؤيتها دون إخفاءها نية التوسع وهدف الهيمنة وبمجرد إيحاءات واضحة من البيت الأبيض للداوئر الغربية بأن "الارهاب" هو (العرب) إنخرطت تلك الدول في البرنامج الأمريكي لمحاربة "الإرهاب" العربي في الوقت نفسه كانت إيماءات واشنطن تجاه الكيان الصهيوني وإيران الولي الفقيه أكثر وضوحا حول المستهدف والهدف من برنامج محاربة "الإرهاب" وبالفعل تم التحشيد والتجييش وترجمت (الايحاءات والايماءات) بغزو العراق والذي تحققت به ومن خلاله أحلام الكيانين الصهيوني والصفوي .


وتولى الكيانان - تصريحا لا تلميحا - تَوَلَّيا كِبَر التحريش ضد السعودية واتهامها بأنها مصدر الإرهاب .

ومن هنا دخل التخادم الصهيوني الصفوي مرحلة التكامل وتبادل الأدوار والتقاء المصالح وواحدية الطموحات وذلك لكون السعودية محور الارتكاز ونقطة القوة التي تحول بين (الكيانين) وبين أطماعهما وأحلامهما في الفتك بالعرب إنسانهم قبل أرضهم ومن ثم ضرب أبعادهم الحضارية وأعماقهم الروحية ومعالمهم التاريخية والتي يرون أن تحقق سيطرتهم على المنطقة برمتها وربما العالم مرهون بتفكيك السعودية وتقاسم السيطرة عليها ومن ثم تكون هي البوابة التي يمكن إتيان الآخرين من خلالها لكنه فاتهم في نفس اللحظة أن الأبعاد التي بنيت على أساسها المملكة وقامت تلك الدولة على ضوئها تحمل عوامل بقائها ومادة استمرارها وديمومتها .


وفي ظل هذا التآمر وذلك الكيد خُيل لأولئك أن الطريق أمام المملكة أصبحت مسدودة لما مثله "الإرهاب" بالنسبة للعالم وفي المقدمة الولايات المتحدة والغرب خاصة ولكون طهران حينها أضحت بأذرعها شريكا موثوقا لدى الغرب في مكافحة ما سمي "الإرهاب" وراجت وشاية الصهيوصفوية في الدوائر الغربية بأن المملكة هي مصدر الإرهاب ومنبعه وبها يتم إنتاجه وتعليبه وتصديره وإنتاج آلياته .


وفي هذه اللحظة الفارقة من التاريخ وجدت المملكة نفسها أمام ظرف تاريخي نضجت فيه مؤامرات أربعين عاما وراج سوقها وتوسعت دائرة حامليها والمحمولة إليهم والذين أرادوا للمملكة أن تعلق بعنق زجاجة "الارهاب" تلك وبحيث يتعذر الخروج والبقاء معا ! لكن صانع القرار السعودي كان أكثر حنكة من صناع (الزجاجة) حيث استنهض همته و(كسر) الزجاجة مستخدما خلطة الاستراتيجيات الثلاثية (تفكير ، تخطيط ، تنفيذ) فدشنت المملكة إنطلاقتها بعدد من الإجراءات الإدارية وحزمة من الخطوات السياسية وسلسلة إصلاحات إقتصادية متكاملة بالإضافة إلى اعتماد الكفاءة والخبرة والسجل النظيف كمواصفات لشغل الوظيفة فضلا عن القدرة على الابتكار والتطوير والابداع . ومن هنا انطلقت العقول السعودية في ماراثون سباق نحو القمة فأصبحت المملكة وفي فترة وجيزة أهم دولة في العالم جيوسياسيا متجاوزة مصاف الدول العظمى والتي لم تكن (عظمة) تلك الدول سوى نتيجة لمقدمات خاطئة تمثلت بحربين عالميتين أسفرتا عن قتل ثمانين مليون إنسان في أوروبا وآسيا وأفريقيا وأمريكا الشمالية وأوستراليا ناهيك عن تشريد أكثر من ثلاثمائة وستين مليون نسمة وتدمير ثلث المعمور على وجه المعمورة وبما أن هذه المقدمات خاطئة فإن النتيجة حتما خاطئة لكنه الأمر الواقع !

وبالنظر للمملكة فإنها نتيجة طبيعية لمقدمات سليمة ما مثَّل أرضية صلبة لانطلاق المملكة وكون الحكمة هي قرين قادتها الذين خلقوا آفاقا مستقبلية مطعمة بالرؤى العشرية والموائد التنموية التي يلتقي العالم حولها وتأتلف الشعوب على ضوئها وتُجَفف من خلالها ينابيع الحروب والنزاعات وتتلاشى بمفاعيلها هوامش الجوائح والنكبات .


فأصبحت المملكة في وقت وجيز أصبحت محط أنظار الزعماء والقادة وملتقى الخبراء والساسة بل وشكلت المنبر الأهم للمبادرات المدروسة والمعنية بإنتاح الحلول العاجلة للقضايا الحساسة وترتيب الأولويات وفق الحاجة المآسة وتصدرت الرياض قائمة العواصم المعنية بالقرارات والمبادرات المتقدمة في مجال السياسة والاقتصاد والسلام وفرضت الرياض تصوراتها وأحرزت الإجماع حول رؤاها فألجمت منابر المغرضين وأفحمت كبار المتحذلقين وجففت ينابيع الكيد في جنيف ونيويورك وطهران ولندن وأغلقت نوافذ الدس في بروكسل وفيينا ولاهاي وغيرها لتصبح الرياض الرياض مأوى القرناء وملاذ الفرقاء وملتقى الخصوم وروضة المؤتلفين وذلك ضمن مؤتمرات منظمة وملتقيات مهدفة وأنشطة مؤنسنة عبرها صعدت السعودية إلى القمة وتربعت هناك بتفرد مُخَلفة ورائها الولي الفقيه وأذرعه والكيان الصهيوني بحلفائه عالقين في أعناق الزجاجات التي صنعوها بكيدهم وواقعين في ما حفروه لغيرهم ..