لم تكن الرحلة سهلة ولا الدرب سالكاً، الحمل ثقيل والسفينة متهالكة، لكنه كان "رباناً ماهراً" أجاد توجيه دفة القيادة بحنكةٍ وصبر وقلب كبييير، في محيط واسع من المشاكل المستمرة، والأعباء المتراكمة، والأوضاع السياسية والأمنية غير المستقرة، وموجات التشويه المنظمة وحملات "الكيد السياسي الرخيص" الذي بلغ حداً غير معقول في بلد عَلا فيه صوت كل شيء، إلا صوت العقل!
ورغم وقوع كثيرين تحت تأثير موجة "الشعبوية" ونزعة "الترند" وإطلاق الأحكام، والسير "مغمض العينين" مع الجماهير، إلا أن المجتمع الأكاديمي والعلمي والمؤسسي أيضاً وعلى رأسهم قيادة الدولة يعرفون تماما ماذا قدم البروفيسور خالدالوصابي، وكيف تحول "التعليم العالي" بعد الانقلاب الإمامي على الدولة وتجريف مؤسساتها، من شنطة صغيرة خارج البلاد، إلى وزارة ومؤسسة حقيقية ومبنى كبير يعج بشكلٍ يومي بالطلبة والمراجعين ورؤساء الجامعات والأكاديميين والموظفين في قلب العاصمة المؤقتة عدن!
ليس منذ أصبح وزيراً فحسب، بل منذ قرار تعيينه نائبا لوزير التعليم العالي في اليوم الأخير من العام ٢٠١٧ (٣١ ديسمبر ٢٠١٧).
انتقل البروفيسور - في اليوم التالي مباشرة - من جامعة تعز التي كان نائباً لرئيسها، إلى العمل في عدن، وتمكن خلال تلك الفترة رفقة الوزير المحترم "حسين باسلامة" ومعهما طاقم صغير من كوادر الوزارة ووكلاءها، من "تأسيس كل شيء والبدء من الصفر" من الصفر تماماً كما قالها أحد رموز الدولة وهو يتحدث عنه ذات يوم!
مضت سنوات بين نائب ثم وزير، اختلفت فيها أشياء كثيرة في البلد، لكن الثابت المستمر بالنسبة لمن عرفوا الرجل هي أن الوزير خالد الوصابي هو أكثر مسؤول حكومي يمني أقام وداوم وتواجد في عدن، أكثر حتى من وزراء الانتقالي والمسؤولين المحسوبين على عدن، لم يغادر الوطن إلا في مهمات رسمية قصيرة لا تتعدى بضعة أيام، بل أن بعضها لم يتجاوز ٤٨ ساعة كتلك التي حضر فيها مؤتمرا لوزراء التعليم العالي العرب أواخر نوفمبر ٢٠٢٤ والذي انعقد في عاصمة الدويلة المطرودة من اليمن!
ورغم حملات الزيف والتشويه والتحريض الذي وصل حد التحريض على القتل ظل الرجل ثابتاً في عدن، لا يغادرها إلا نهاية الأسبوع نحو "تعز" التي يسكنها وتسكنه، أسرته هناك تقطن في منزل قريب من إحدى أكثر جبهات المديتة اشتعالا، وجميع أبنائه أيضا، أربعة منهم بدؤوا وأكملوا دراستهم الجامعية في جامعات تعز خلال فترة وزارته..
أبناء الوزير الذي شُنت ضده أقبح هجمات التحريض واتهامات التشويه، درسوا في جامعات مدينة محاصرة وتخرجوا منها بتفوق، اثنان منهم من كلية الطب بجامعة تعز!
كان بعض المسؤولين يلومونه: يا معالي الوزير من الواجب أن تكثف زياراتك إلى الرياض، وأن تحرص على الالتقاء بالكبار في القاهرة، وكان الرجل الأكاديمي "الممتلئ من الداخل" يقابل كل ذلك بابتسامة، وبدلاً من فعل ذلك كان يكتفي بلقاءات وتحايا عابرة مع العمال الذين يشتغلون منذ حين لإصلاح طريق "هيجة العبد" أثناء مروره وتنقله المستمر بين عدن وتعز.
"كيف سيصلح حال البلاد إذا استمر الجميع في العمل من خارج البلاد؟".. كان يقول.
حتى حين هرول الجميع إلى الرياض أفواجا وجماعات بعد قرار إعادة تشكيل الحكومة، ظل الوصابي في تعز، كاستثناء أوحد في قائمة الحكومة كلها، رافضاً البحث عن وزارة أو منصب، مستشعراً قيمة الأكاديمي المحترم الذي يرفض أن يبحث عن أي شيء..
كان كمن يعيد تعريف أشياء كثيرة بالنسبة للمسؤول اليمني!
من يعرف الوصابي أو كان قريبا من الوزارة وتعامل معها، ويملك شيئاً من الإنصاف سيدرك حجم التغيير الذي حدث هناك، ورغم أنني تحاشيت لسنوات كتابة مقال مطول عن ما أنجزه في ظل ظروف ومصاعب بالغة التعقيد حتى لا يُحسب الأمر شخصيا، إلا أن من أخلاق الرجال أن يوفوا الكبار حقهم، وهذا الرجل أحد الكبار حقاً، والكبار جداً، ممن لا تستهويهم الأضواء ولا عدسات الإعلام، فلا يؤمن إلا بالعمل وبذل الجهد والعرق لصنع الأثر وإحداث الفارق، وهذا مما قد يأخذه البعض عليه، خاصة بالنظر إلى وزراء ومسؤولين بل ومدراء عموم في مديريات صغيرة لا يتحركون خطوة إلا تحت أضواء العدسات، ويبذلون لأجل الظهور في تصريح تلفزيوني أشياء كثيرة!
خلال سنوات عمله الثمان في الوزارة بين نائب ووزير، كان المدماك الرئيسي الذي حرص الوصابي على إنشائه وتقويته هو: تأسيس نظام عمل مؤسسي، وترسيخ قواعد متينة للعمل الجماعي بروح الفريق الواحد، وكثيراً ما أعاد وكرر ولا زالت توجيهاته لكادر وزارته موجودة بالنص في صفحة الوزارة وموقعها الرسمي: "الحرص على مؤسسات الدولة وإرساء قواعد العمل المؤسسي والحفاظ على النظام والقانون، واستشعار المسؤولية الجماعية والوطنية، فالأشخاص زائلون والعمل المؤسسي هو الباقي" ولعل من الإنصاف ذكر بعض الأعمال والانجازات المهمة التي أسسها ورسخها الرجل في مؤسسة خدمية لم تكن تتوقف فيها المشاكل في فترات الرخاء ووجود الدولة ومؤسساتها، فما بالك بفترة حرب وانقلاب وعجز حكومي ومليشيات تقتحم مؤسسات الدولة رغم أن مهمتها الرئيسية حمايتها!
وليست وزارة وعبئاً واحداً، بل وزارتين تتنافسان معاً منذ زمن بعيد أيُّهما يتصدر لائحة المشاكل والأعباء!!
سيدوِّن تاريخ الوزارة والتعليم العالي أن "امتحانات المفاضلة" لم تبدأ في اليمن إلا بعد جهد جهيد بذله الوزير الوصابي منذ كان نائباً، وهو الذي حارب لأجل إقامتها واعتمادها معياراً رئيسياً للتنافس بين الطلاب على المنح الدراسية الخارجية، حدث ذلك في العام الدراسي (١٩ - ٢٠) الذي شهد أرقاماً مهولة تخبرك عن مدى كارثية المخرجات التعليمية في ظل الحرب، ففي ذلك العام مثلا حصد (٤٦٨) طالباً معدل ١٠٠% في نتائج الثانوية العامة، أما ٩٩% فحدث ولا حرج!!
جميع هؤلاء وأكثر كانوا ينتظرون منحاً، فيما العدد الرسمي لمنح التبادل الثقافي مثلا لا يتجاوز ربع هذا العدد، لذا كان الحل باعتماد قواعد ومعايير شفافة للتنافس ومنها "امتحانات المفاضلة" التي كشفت أموراً أكثر كارثية، لدرجة أن بعض أصحاب ال(١٠٠) لم ينجحوا في امتحان المفاضلة من الأساس!
فيما بعد، تحول بعض من فشلوا وقُراهم وداعميهم إلى جزء من حملات التشويه ، لكن الجزء الاكبر كان من نصيب لوبيات مصالح وشبكات سمسرة سابقة عمل الوصابي على تفكيكها وإنهائها، يشنون غارات الزيف ويستدعون داعي القبيلة ويناشدون قيادات مدنية وعسكرية ومليشاوية، والنتيجة معروفة: اقتحامات متكررة للوزارة وتهديدات بالتصفية وحملات تحريض واعتداءات على الموظفين والكثير من المرارات!
قادة عسكريون يريدون توجيهات بالمخالفة، وأفراد مليشيا يستغلون الأوضاع لممارسة الابتزاز، واقتحامات متكررة للوزارة بقوة السلاح حتى وصلت طلقات الرصاص إلى أمام مكتب الوزير مباشرة في إحدى المرات بعد اقتحام قائد مليشاوي هاجم الوزارة وحاصر موظفيها بمدرعات إماراتية!
لكنه لم ينهزم، كان يدرك يقيناً أن التصحيح وتفكيك لوبيات المصالح وإرساء النظام له ثمن، واجه كل شيء بشجاعة، وكان أول من واجه اعتداءات مليشيا الانتقالي ووصفهم بالتوصيف القانوني وأدان سلوكياتهم أمام وسائل الإعلام إثر إحدى حوادث الاقتحام أواخر ٢٠٢٢، كما سجل أقوى موقف لوزير في الحكومة الشرعية بعد الأحداث الأخيرة في عدن ثم حضرموت، واعتبرها انقلابا على الدولة وهدد بنقل مقر الوزارة إلى إحدى المدن المحررة خارج عدن!
في كل القضايا الوطنية كان حاضراً، صلبا، لا يهادن في المواقف الفاصلة، ويرفض "التراخي السياسي" واللغة المطاطية حين يتعلق الأمر بالثوابت الوطنية!
وإلى جانب مأسسة العمل الرسمي وتثبيت قواعده في الوزارة، وإنشاء خطة استراتيجية للعمل، واعتماد معايير التنافس على المنح، فقد أنجز وفراً كبيراً في ملف الابتعاث، تقليص أعداد المبتعثين، وتقنين الابتعاث وحصره في التخصصات العلمية المهمة، إلى جانب رقمنة الإجراءات وتعزيز الشفافية والنزاهة، وتقليص الملحقيات وترشيد الإنفاق، وأرقام كثيرة موثقة في تقارير رسمية.
كانوا يفرون إلى لغة الاتهامات والتحريض، بينما يقف هو بهدوئه المعهود منحازاً إلى العمل المستمر على الأرض ولغة الأرقام التي تعكس ما تحقق رغم كل شيء!
وفي سبيل إنهاء معاناة تأخر مستحقات المبتعثين خاض صراعات عديدة، ووقف مرارا في اجتماعات الحكومة للحديث بلسان المبتعثين، وتابع باستمرار المعاملات المالية والإدارية في وزارة المالية رغم أنها ليست من اختصاصه، وتحمل كثيرا من النقد واللوم على ظهره رغم أن التقصير والاختصاص أيضا ليس منه ولا عليه، وقد أثمرت هذه المتابعة والاهتمام الحثيث بتحقيق تقدم في تغطية العجز المتراكم منذ العام ٢٠١٥، خاصة بالنظر إلى الأوضاع الاقتصادية الصعبة للبلاد وعدم قدرة الحكومة غلى دفع رواتب الموظفين، وآخر الثمار كانت صرف أربعة أرباع مالية - على دفعتين - من مستحقات المبتعثين المتأخرة، في ظرف ثلاثة أشهر، نهاية ٢٠٢٥.
كما أعاد فتح ملف اتفاقيات التعاون المشترك في مجالات التعليم العالي والفني مع عدد من الدول الشقيقة، محاولاً الحفاظ على جسور التواصل مع العالم الخارجي وتعزيزها بعد انقلابٍ وحرب مزقت الأوصال، فقام بتجديد اتفاقيات وأنجز أخرى من الصفر، في دول كثيرة مهمة، أبرزها: الأردن، مصر، الجزائر، تركيا، العراق.. بالإضافة إلى شراكات دولية واتفاقيات مع منظمات عالمية تعنى بالتعليم وجودته، وشراكات مثمرة مع عدد من المؤسسات الأهلية التي تنشط في حقول التعليم ودعم الطلبة المتفوقين وتنمية المهارات والقدرات الشبابية.
ورغم شحة الامكانات والظروف الاقتصادية الصعبة للدولة، عمل على تنشيط "البحث العلمي" مدركاً أنه أهم ملفات النهوض للواقع الوطني في كل المجالات، فحرص على أن تنظم الوزارة مؤتمرات علمية، ومسابقات وجوائز بحثية للطلبة والباحثين اليمنيين في كافة دول الابتعاث، كالمؤتمر الطلابي العلمي الأول ومؤتمر الابتعاث، وقام بتكريم أبرز البحوث العلمية وأصحاب براءات الاختراع من العقول اليمنية الشابة، إلى جانب رعاية ودعم المؤتمرات العلمية المتخصصة في جامعات وطنية كثيرة، في مجالات مختلفة.
عمل كثيرا لأجل فكرة "التصنيف الوطني للجامعات" وشجع الجامعات على التنافس وفقاً لمعايير دولية ومحلية مركزة، بهدف تحسين جودة التعليم ومواكبة التطورات والمتغيرات، وشدد الرقابة على أداء الجامعات قدر الإمكان بالنظر إلى الظروف والإمكانات.
أسهم بشكل كبير في إعادة انعقاد "المجلس الأعلى للتعليم العالي" بعد سنوات من التوقف، وتابع تفاصيل إنشاء "مجلس الاعتماد الأكاديمي" من أولى خيوط فكرة المجلس إلى إعلان القرار وانتظام عمله واستمرار أداء دوره الاكاديمي بالغ الأهمية.
وفي التعليم الفني، أحيا الاتفاقية الأهم في تأريخ التعليم الفني في الجمهورية اليمنية منذ قيامها، وهي اتفاقية تجهيز ١٢ كلية مجتمع بدعم من الصندوق الكويتي للتنمية، رغم تعثر المشروع مرارا منذ العام ٢٠١٣، وتفقَّد كليات المجتمع في معظم المحافظات، وعقد شراكات مع منظمات ومؤسسات محلية وطنية لتوفير تجهيزات بعض الكليات، واتفاقيات تعاون دولية مثل تلك الموقعة مع دولة كوريا، والتي بموجبها مُنحت بلادنا معامل طاقة شمسية وتجهيزات عالية المستوى في كليات ومعاهد التعليم الفني في عدد من المحافظات.
ثبت على أراضي الوطن، زار تهامة ولحج وأبين والمخاء وحضرموت، ودشن مشاريع في كليات المجتمع في المكلا وعدن وتعز وسيئون، وتفقد معاهد التعليم الفني وسير عملها في مديريات صغيرة منسية، وتواجد في محطات عديدة في جامعات عدن والحديدة وتعز وحضرموت ومأرب ولحج وأبين وغيرها.
ورغم أن قائمة ما تم إنجازه كبيرة وكثيرة إلا أن المجال هنا ليس لحصرها، بل لتسجيل شهادة إنصاف عن رجل بذل الكثير لأجل تأسيس وبناء منظومة التعليم العالي والفني والمهني في كل أنحاء اليمن.
وزير أكاديمي وإداري كفؤ متدرج المهام، واجه شبكات الخراب ولوبيات المصالح وحده، فعل الكثير ونجح وأخفق وتقدم وتوقف كعادة أي جهد بشري، لكنه ظل كبيرا عصياً على التأطير والاحتواء..
لم ينحز إلا لليمن كلها، ولم يؤمن إلا بلغة العمل والبناء المؤسسي والتواجد على الأرض.
بالتأكيد لم يسِر كل شيء كما كان يريد في ظل مؤسسات دولة منتهية وواقع رث وإمكانات معدومة خاصة في البداية، لكنه بذل كل جهده وطاقته لتحقيق شيء، وقد حقق بالفعل أشياء كثيرة.
دخَل الوزارة وهي تحاول الحبو في خطواتها الأولى في ظروف بالغة الصعوبة والتعقيد، وغادرها وقد غدت مؤسسة رسمية حقيقية وكبيرة متعددة المهام ومتناغمة الأداء ومتصاعدة الإنجاز
دخلها مع طاقم صغير، وغادرها وقد صار كادرها فريقاً كبيراً مؤهلاً اكتسب الخبرات والمعارف بفعل التجربة ودورات التطوير والتأهيل، كثير من هذا الطاقم خنقتهم المرارة وهم يرسلون له ويكتبون عنه بعد إعادة التشكيل الحكومي، وهو يبث فيهم روح التفاؤل ويبشرهم بالقادم كعادته، ويوصيهم على الحفاظ على روح الفريق الواحد، بل الأسرة الواحدة، وأن يبقى الولاء للمؤسسة والوطن، فتغيير الأشخاص سنة حتمية، والثبات للدولة والوطن.
دخَلها وإيراداتها السنوية لا تتجاوز ٧٠ مليون ريال في العام ٢٠٢٠، وغادرها وقد تجاوز إيراد الوزارة الذي يورد الى البنك المركزي كل شهر، أكثر من مليار و٢٠٠ مليون ريال بنهاية ٢٠٢٥.
رجل واجه الحرب وحده، وانتصر لقيمه ومبادئه والثوابت الوطنية، لم يهتز للحظة، منذ وصوله حتى المغادرة، وحتى وهو يترك منصبه سجل موقفاً يشبهه، حيث كان أول وزير يتصل بخلَفه في "التعليم العالي" وخلَفه في "التعليم الفني" لتهنئتهما والشد على يديهما لمواصلة العمل داعياً لهما بالتوفيق والسداد مع الاستعداد لتقديم العون والمشورة في كافة تفاصيل العمل في الوزارتين، ومجدداً العهد بالتمسك بقيم الدولة والسير خلف قيادتها، والحفاظ على الثوابت الوطنية والولاء للجمهورية في مختلف الظروف.
الوطن أكبر من الجميع، ونحتاج كلنا للتخفف من حمل الصراعات السياسية والمناكفات التي أودت بكل شيء، ونُعلي صوت العمل والأرقام والإنجاز.. كلا بما يستطيع.
تعظيم سلام يا بروف
تعظيم سلام يا معالي الوزير.