آخر تحديث :الجمعة-13 فبراير 2026-01:16ص

أميركا والصين... منافسة صعبة

الخميس - 12 فبراير 2026 - الساعة 10:48 ص
ستيفين راتنر

بقلم: ستيفين راتنر
- ارشيف الكاتب


إذا أرادت أميركا منافسة الصين فإنه يتحتم عليها إصلاح اقتصادها. فقبل أسابيع في نيويورك، كنتُ ضيفاً في مأدبة عشاء جرى إعدادها لمناقشة التجارة الأميركية، حين تحولت دفة الحديث فجأةً إلى الصين. وتباينت آراء الخبراء المرموقين من الحضور: فمنهم من أيّد مواقف الرئيس دونالد ترمب الحازمة، ومنهم من دعا إلى نهجٍ أقلّ صداميةً وأكثر تقليدية.

من ناحيتي، لستُ خبيراً في الشأن التجاري، لكنني استثمرتُ في الصين لسنوات، وكنتُ قد عدتُ لتوّي من زيارةٍ استغرقت أسبوعاً. وبعد أن استجمعتُ شجاعتي، عبَّرت عن اعتقادي بأن النهجين كليهما لن يُجديا نفعاً؛ فالصين منافسٌ قويٌّ للغاية، وقوةٌ صناعيةٌ عظمى، يصعب كبح جماحها بالسبل الدبلوماسية. أما الحلّ الحقيقيّ الوحيد، فيكمن في إصلاح الاقتصاد الأميركي، والتفوّق على الصين في عقر دارها.

يوماً بعد آخر، تزداد الحاجة إلى ذلك، لأنّ الاضطرابات التي شهدها العام الأول من ولاية ترمب أثّرت بالسلب على أميركا. إلى جانب التصنيع، تُهدد بكين الهيمنة الأميركية داخل مجموعة من القطاعات السريعة النمو، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي وتطوير الأدوية. وفي الوقت الذي حاولت واشنطن خفض الإنفاق على وظائف حكومية مهمة، مثل الوظائف في مجال البحوث الأساسية، جعلت الصين هذه الوظائف من أولوياتها الوطنية.

في الواقع، أحرزت بكين تقدماً مذهلاً في مجال الذكاء الاصطناعي. ورغم أنها لا تزال في مكانة متقهقرة عن الولايات المتحدة في مجال رقائق أشباه الموصلات المتطورة، تمتلك الصين وفرةً من عنصر أساسي آخر لنجاح الذكاء الاصطناعي: الطاقة. في الواقع، تمتلك بكين أكثر من ضعف قدرتنا على توليد الطاقة، وتدفع بعض مراكز بياناتها نصف ما ندفعه نحن مقابل الطاقة. وقد ساعدها ذلك على تطوير منتجات مثل «مانوس»، بسرعة استثنائية. برنامج ذكاء اصطناعي يُضاهي أداء «تشات جي بي تي»، وقد بيع لشركة «ميتا» بأكثر من ملياري دولار بعد زيارتي للصين بفترة وجيزة.

أضف إلى ما سبق رأس المال البشري، الذي يعد عنصراً أساسياً في نجاح بكين. هناك، التقيتُ الكثير من رواد الأعمال الشباب الذين تضاهي طاقتهم وذكاؤهم نظراءهم في «وادي السيليكون»، بمن فيهم ملياردير لا يزال ينام في مكتبه.

ورغم كل ما يُطلقه السيد ترمب من تهديدات بفرض تعريفات جمركية، فإن أميركا لا تنتصر في هذه الحرب التجارية؛ فلا يزال هذا العملاق الآسيوي يتربع على عرش أكبر مُصدّري العالم، وبلغ فائضه التجاري رقماً قياسياً قدره 1.2 تريليون دولار، العام الماضي. وتشير هذه الزيادة الإجمالية إلى أن الكثير من البضائع الصينية تمر ببساطة عبر دول وسيطة قبل وصولها إلى الولايات المتحدة. وسواء فُرضت تعريفات جمركية أم لا، يبقى الجميع بحاجة إلى البضائع الصينية.

لننظر إلى السيارات، على سبيل المثال. خلال رحلتي، قمت بجولة في شركة «شاومي»، شركة مُصنّعة لمعدات الاتصالات، أعلنت دخولها صناعة السيارات الكهربائية قبل خمس سنوات فقط. وداخل منشأة مترامية الأطراف تكاد تخلو من البشر، كانت آلات ضخمة تُشبه الديناصورات الآلية تُحرك ألواح الألمنيوم بسهولة، بينما تتحرك السيارات على خط الإنتاج. في الردهة، وقفت سيارة رياضية صفراء اللون بدا من السهل الخلط بينها وبين سيارة «بورش».

كما زرتُ شركةً للروبوتات، حيثُ عاينت ما يشبه ألعاب الأطفال البلاستيكية تتجول، مما كشف عن مدى التقدّم الذي أحرزته الشركة نحو بناء روبوتات شبيهة بالبشر، وقادرة على أن تحل محل البشر في بعض المهام. (عام 2024، ركّبت الصين نحو تسعة أضعاف عدد الروبوتات الصناعية التي ركّبتها الولايات المتحدة).

وبعد زيارةٍ من جهته، أعلن الرئيس التنفيذي لشركة «فورد»، جيم فارلي، الصيف الماضي، أن تكنولوجيا السيارات الصينية «متفوقةٌ بكثير» على نظيراتها الأميركية، ووصف التقدّم الصيني بأنه «أكثر شيءٍ يجبر المرء على الشعور بالتواضع رأيته في حياتي». ومن قبيل الصدفة -أو ربما ليس كذلك- أوقفت «فورد» قريباً إنتاج شاحنتها الكهربائية «إف - 150»، وتكبّدت خسائر فادحة بلغت 19.5 مليار دولار أميركي في جهودها في مجال السيارات الكهربائية.

وفي مجال تطوير الأدوية، نجد أنه قبل بضع سنوات فقط، كانت الصين لا تزال ترخص الكثير من أدويتها من شركاتٍ أجنبية. أما الآن، فقد انقلب الحال وأصبحت بكين ترخص أدويةً لدولٍ أخرى أكثر مما ترخصه منها، ناهيك بتفوقها على الولايات المتحدة في عدد التجارب السريرية.

إلا أن هذا لا ينفي أن بكين لا تزال تواجه تحديات. ولا تزال تداعيات فقاعة العقارات المتراجعة تُلقي بظلالها. ومن بين النتائج التي ترتبت على ذلك، إحجام المستهلكين عن الشراء. ومع تباطؤ النمو، ارتفعت نسبة بطالة الشباب إلى نحو 20 في المائة (ولم تنخفض إلا قليلاً). وإلى جانب ذلك، تراجع الاستثمار.

ويُشير هذا إلى وجود اقتصادين صينيين: اقتصاد محلي راكد، واقتصاد عملاق يُهيمن على التصنيع العالمي، في الوقت الذي يُحرز تقدماً هائلاً في مجالات سريعة النمو تعتمد على التكنولوجيا، والتي لطالما كانت حكراً على الولايات المتحدة.

في الواقع، أحرزت الصين هذا النجاح جزئياً من خلال نموذجها للرأسمالية الموجهة من الدولة؛ فعندما أدركت الحكومة أنها تخسر سباق الذكاء الاصطناعي، أوضحت أن اللحاق بالركب أولوية وطنية، ودعمت ذلك بالموارد المالية، وتخفيف القيود التنظيمية، وتطوير قدرات هائلة لتوليد الكهرباء. وبإمكان الأميركيين اليوم أن يعاينوا النتائج.

المؤكد أن المنافسة مع الصين ستكون صعبة، حتى في أفضل الظروف. والواضح أن أميركا بحاجة إلى إعادة النظر في سياستها الصناعية -أي كيفية توظيف مواردها الحكومية لدعم الصناعات ذات الأهمية الاستراتيجية، مما يُمثل نسختها الخاصة من الرأسمالية الموجهة من الدولة. بيد أنه لسوء الحظ، تُؤدي سياسات إدارة ترمب غير المتماسكة إلى خلق ظروف شديدة السوء.

بدايةً، على الإدارة الأميركية التراجع عن التخفيضات التي أقرّها ترمب في الاستثمارات في العلوم وغيرها من المجالات.

وفي الوقت الذي يساورني شك قوي بقدرة حكومة ديمقراطية على اختيار النهج الصحيح، لم يعد لدى الأميركيين ترف إبقاء واشنطن على الهامش. على وجه الخصوص، ينبغي لأميركا التركيز على صناعات المستقبل، التي يرتبط الكثير منها بالتكنولوجيا، والتخفيف من تركيز ترمب على صناعات تشكيل المعادن التقليدية. على سبيل المثال، بفضل قانون الرقائق والعلوم، الذي أُقرّ في عهد الرئيس جو بايدن، يجري بناء مصانع ضخمة لأشباه الموصلات في أريزونا وغيرها.

إن الحاجة إلى إعادة توجيه السياسات الحكومية لا تقتصر على الإنفاق فقط؛ فأميركا تفتقر إلى المعادن الحيوية ليس لندرتها، بل لصعوبة الحصول على تراخيص لمناجم جديدة ومرافق معالجة. وبإمكانها بالتأكيد إيجاد طريقة لتطوير قدراتها التعدينية، من دون المساس بالمعايير البيئية المعقولة.

وما ينبغي أن يتعلمه ترمب -كما ينبغي أن يتعلمه الجميع- أن أميركا لن تهزم بكين بفرض تعريفات جمركية، أو بمحاولة التفاوض على اتفاقيات تجارية من المرجح أن تنتهكها الصين. (ومن المهم الإشارة إلى أن السياسة الصناعية الصائبة لا تعني الاستحواذ على حصص في الشركات أو المطالبة برسوم امتياز، كما تفعل إدارة ترمب). إن التفوق على الصين يبدأ من الداخل، من خلال إصلاح الاقتصاد. إنه تحدٍّ ينبغي أن يحفز ترمب على إعادة النظر في مجموعة واسعة من سياساته.

* خدمة «نيويورك تايمز»