آخر تحديث :الجمعة-13 فبراير 2026-01:16ص

اليمن والسعودية: وحدة المصير.

الخميس - 12 فبراير 2026 - الساعة 10:52 ص
محمد عبدربه

بقلم: محمد عبدربه
- ارشيف الكاتب


انضمام اليمن إلى مجلس التعاون.. فرصة تاريخية بين ضرورات الأمن ومصالح الاستقرار

تعود قضية انضمام اليمن إلى مجلس التعاون الخليجي إلى مطلع الألفية الجديدة، وتحديداً منذ عام 2000م، وإن كانت المحاولات الجادة قد بدأت فعلياً منذ تسعينيات القرن الماضي. ومنذ ذلك الحين ظل هذا الملف حاضراً في النقاشات السياسية، يتقدم أحياناً ويتراجع أحياناً أخرى تبعاً للتحولات الإقليمية والداخلية التي شهدتها المنطقة.

اليوم، وفي ظل المتغيرات العاصفة التي تمر بها المنطقة، عاد هذا الملف ليطرح نفسه بقوة، لا باعتباره خياراً سياسياً فحسب، بل كضرورة استراتيجية تمس الأمن القومي الخليجي واليمني على حد سواء. وفي مقدمة الدول المعنية بهذا المسار تقف المملكة العربية السعودية بوصفها المحرك الأساسي لهذا الملف، انطلاقاً من إدراكها أن اليمن يمثل عمقها الاستراتيجي الأهم.

السعودية تدرك أن استقرارها مرتبط طردياً باستقرار اليمن شمالاً وجنوباً، وأن أي اضطراب في الجار الجنوبي ينعكس مباشرة على أمنها الحدودي والداخلي. ومن هنا يمكن فهم سعيها المتواصل لإنهاء تمدد الحوثيين في كامل الجغرافيا اليمنية، ليس فقط باعتباره صراعاً يمنياً داخلياً، بل بوصفه تهديداً مباشراً لأمنها القومي.

تحويل اليمن من مصدر تهديد – سواء عبر التهريب أو النزاعات المسلحة أو التدخلات الخارجية – إلى حزام أمني مستقر، هو هدف استراتيجي واضح للمملكة. وانضمام اليمن، شمالاً وجنوباً، إلى مجلس التعاون الخليجي يعني تنسيقاً أمنياً وعسكرياً كاملاً تحت مظلة واحدة، ويغلق الباب أمام القوى الإقليمية الساعية لاختراق الخاصرة الجنوبية للجزيرة العربية.

كما أن دمج اليمن في المنظومة الخليجية يحمل بعداً سياسياً يتمثل في إنهاء النفوذ الإيراني في اليمن بشكل جذري، عبر بناء دولة يمنية قوية ومتماسكة، قادرة على بسط سيادتها على كامل أراضيها. فالسعودية اليوم تُعد اللاعب الأبرز في مسارات الحل السياسي والاقتصادي في اليمن، وهي الأكثر تحملاً للأعباء المالية والعسكرية في هذا الملف.

إن حماية اليمن هي في جوهرها حماية للمملكة، والقرار الاستراتيجي اليمني بات مرتبطاً بشكل عضوي بالأمن القومي السعودي. فالتداخل الجغرافي والسكاني والقبلي والتاريخي يجعل من الفصل بين أمن البلدين أمراً نظرياً لا يصمد أمام الوقائع.

اقتصادياً، تسعى السعودية لتحويل المنطقة إلى مركز لوجستي عالمي ضمن رؤيتها الطموحة، واليمن بموقعه الاستراتيجي على بحر العرب وباب المندب يمثل عمقاً بحرياً مهماً، ومخرجاً خلفياً آمناً للصادرات الخليجية بعيداً عن مضيق هرمز. هذا الدور لا يمكن أن يكتمل إلا بوجود يمن مستقر ومندمج في المنظومة الخليجية، يعمل وفق معايير السوق الخليجية المشتركة.

اليمن دولة غنية بثرواتها النفطية والمعدنية والزراعية، ودمجها في مجلس التعاون يمنح دول الخليج سيطرة استراتيجية أكبر على الممرات البحرية الحيوية الممتدة من البحر الأحمر إلى بحر العرب، بما يؤمن طرق الطاقة والتجارة العالمية.

ولا يخفى أن اليمن سبق أن شارك في عدد من المؤسسات الخليجية المتخصصة في مجالات الصحة والتربية والرياضة والعمل والشؤون الاجتماعية، ما يعني أن فكرة الدمج ليست غريبة تماماً عن الإطار المؤسسي الخليجي.

حالياً، هناك مؤشرات على بدء عمل لجان فنية سعودية – خليجية لتأهيل الاقتصاد اليمني بما يتوافق مع معايير السوق الخليجية، وهو مسار يتطلب في المقابل جهداً يمنياً داخلياً موازياً لا يقل أهمية.

المطلوب من الحكومة اليمنية الجديدة الإسراع في ترتيب الملف الأمني، ودمج التشكيلات العسكرية والأمنية ضمن مؤسسة وطنية واحدة، والنهوض من تحت ركام الحرب، وإعادة بناء ما دمرته الصراعات والعناصر الخارجة عن النظام والقانون. ففرصة كهذه قد لا تتكرر بسهولة، وإهدارها يعني استمرار الدوران في حلقة مفرغة من الأزمات.

السعودية، في نهاية المطاف، تبحث عن دولة مؤسسات ثابتة يمكن التعامل معها كشريك حقيقي، لا عن كيانات متنازعة أو جيوش متعددة الولاءات. وهي تسعى إلى استعادة الدولة اليمنية بسلطة مركزية واحدة تسيطر على كامل التراب اليمني وتنهي وجود الميليشيات.

فتح الأسواق الخليجية أمام المنتجات اليمنية، وتوسيع فرص العمل، وتسهيل حركة التنقل وفق ضوابط أمنية، كلها مكاسب ممكنة في حال تحقق الاندماج الفعلي. لكن الأساس يظل في بناء دولة يمنية قوية، عادلة، وقادرة على إدارة نفسها.

العلاقة بين السعودية واليمن ليست علاقة دبلوماسية عابرة، بل رابطة دم وتاريخ وجغرافيا. لا يمكن لأي مشروع تنموي في الرياض أن يكتمل والجار اليمني يعاني الفوضى، كما لا يمكن لليمن أن ينهض دون سند حقيقي من محيطه الطبيعي.

الوحدة، في إطار دولة اتحادية عادلة لكل اليمنيين، تمثل صمام أمان ضد التشظي والفوضى. فتمزيق اليمن إلى دويلات صغيرة لن ينتج سوى بؤر صراع دائمة، تجعل تأمين الحدود مهمة شبه مستحيلة، وتفتح الباب لتدخلات لا تنتهي.

في النهاية، المصالح بين الشعبين اليمني والسعودي مشتركة ومتداخلة، وأي تحريض على الفتنة بينهما لا يخدم إلا القوى التي تبحث عن إضعاف المنطقة. إن إدراك هذه الحقيقة هو الخطوة الأولى نحو بناء شراكة استراتيجية متكاملة تضمن لليمن الخروج من نفق الحرب، وللسعودية بيئة آمنة لاستكمال نهضتها.