سالم محسن الكثيري
بعض الناس يشكك في جنوبيتك، وبعضهم يفتخر بأنه جنوبي، وآخر يصرخ مؤكداً أحقيته بهذا الانتماء. يا جماعة اتقوا الله، كلنا جنوبيون، فلماذا هذا الجدل الذي لا يقدم ولا يؤخر؟
لقد أوصلتم الأمر وكأن الجنوبيين شعب استثنائي أو "شعب الله المختار". اعقلوا، فليس هناك أي ميزة حقيقية لمجرد أنك جنوبي، لا في ميزان الشعوب ولا في ميزان رب العالمين. وحتى لو افترضنا – جدلاً – أن الجنوبيين أعظم وأعرق شعوب الأرض، فالحقيقة التي لا يمكن تجاوزها أن الإنسان لا يملك جغرافيته ولا يختار مكان ولادته، وبالتالي لا يصح أن يجعل من ذلك مدعاة للفخر أو التعالي.
ولو كان التفاخر بالمولد والانتماء أمراً مشروعاً، لكنّا نحن أولى الناس بذلك. أنا حضرمي، وحضرموت معروفة بالدين والأخلاق والعلم والمكانة، إضافة إلى انتمائي لقبيلة آل كثير، إحدى أعرق قبائل العرب قديماً وحديثاً، وهي القبيلة التي قامت دولتها وحكمت اليمن وأجزاء من الخليج في يوم من الأيام. ومع ذلك، لم يحدث قط أن تفاخرّت بأني حضرمي أو كثيري، لأن القناعة التي أؤمن بها أعمق من مجرد الانتماء الجغرافي.
أتذكر جيداً أنه في سنوات الدراسة، وتحديداً عندما كنت في الصف الثاني الثانوي، وقبل أي انتماءات أو أفكار سياسية، كنت أكتب على مقدمة دفاتري:
"أبي الإسلام لا أبي لي سواه
إذا افتخروا بقيسٍ أو تميم
نحن جميعاً ننتمي لآدم وآدم من تراب."
هذه الكلمات لم تكن مجرد عبارة، بل كانت تعبيراً عن إيمان راسخ بأن البشر جميعاً متساوون، وأن قيمة الإنسان تُقاس بأخلاقه وعمله، لا بأصله ولا بمنطقته.
أعقلوا… فالمبالغة في الفخر بالانتماءات الضيقة لا تصنع مجداً، بل قد تفتح أبواباً للفرقة نحن في غنى عنها. ما يجمعنا أكبر بكثير مما يفرقنا، والانشغال بمثل هذه السجالات لن يبني مجتمعاً ولن يحفظ كرامة إنسان.
فلنتذكر دائماً أننا، قبل أي وصف آخر، بشر يجمعنا أصل واحد ومصير واحد.