آخر تحديث :الجمعة-13 فبراير 2026-01:16ص

الجنوب وضرورة المراجعة الشاملة لمابعد الانتكاسة.

الخميس - 12 فبراير 2026 - الساعة 12:18 م
علي بن شنظور

بقلم: علي بن شنظور
- ارشيف الكاتب


علي بن شنظور أبوخالد

=======


يمرّ الجنوب اليوم بمرحلة دقيقة وهامة من تاريخه السياسي، مرحلة تتطلب وقفة صادقة مع الذات، ومراجعة عميقة لتجارب الماضي القريب والبعيد.


فمن خلال قراءة متأنية لطبيعة الأحداث التي عصفت بالجنوب خلال السنوات الماضية، يتضح أننا لا نزال ندور في حلقة مفرغة عنوانها: عشوائية العمل، غياب التقييم، ضعف المحاسبة، وأنانية بعض الأطراف، وهو ما أدى في محطات عديدة إلى ضياع فرص كانت متاحة وكان يمكن البناء عليها.


إذا عدنا إلى مسار التاريخ الحديث منذ الاستقلال في عام 1967م، نجد أن الجنوب مرّ بتحولات سياسية وصراعات داخلية بين أجنحة التنظيم السياسي آنذاك، بدءًا بالجبهة القومية وصولًا إلى الحزب الاشتراكي اليمني، ثم جاءت محطة الوحدة في عام 1990م كمشروع كبير اتجه إليه الجنوب بحسن نية، لكنه مضى إليه دون ضمانات كافية أو خطوط رجعة واضحة في حال تعثر المشروع.وكانت انتكاسة 1994م محطة مفصلية عمّقت الجراح وكرّست حالة الانقسام، لتتراكم تداعيات ذلك حتى يومنا هذا.


ومع انطلاق الحراك الجنوبي وما تلاه من تطورات، تكررت أمام الجنوبيين فرص عديدة لإعادة ترتيب البيت الداخلي. وكان من أبرزها المرحلة التي أعقبت تحرير عدن بدعم من التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، وهي لحظة مفصلية كان يمكن أن تؤسس لمرحلة جديدة من العمل المؤسسي المنظم

لكن ذلك لم يتم.


ثم جاء تأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي، غير أن الانقسامات التي ظهرت لاحقًا، خاصة في عام 2019، ثم المستجدات التي تتابعت وصولًا إلى أحداث ديسمبر 2025 وما أعقبها من تداعيات السادس من يناير، أعادت المشهد إلى مربع الاضطراب واظهرت أن الجنوب يضيع الفرص المتاحة.

من خلال تقييم هذه المراحل، يتبين أن المشكلة الجوهرية لم تكن في قلة التضحيات أو في غياب الحماس الشعبي، بل في غياب التخطيط المؤسسي، واخطاء الصف القيادي ممن استحوذوا على القرار في الماضي. وافتقاد آليات التقييم والمسألة، واستمرار عقلية الاستحواذ والإقصاء لدى البعض ، في مقابل عقلية التصفية أو الانتقام لدى آخرين.


ان القرارات الهامة قبل 2 يناير أو بعد 6 يناير المتعلقة بمشروع دولة الجنوب أو بحل المجلس الانتقالي، اتُخذت في كثير من الأحيان دون تفكير بمآلات مابعد تلك المواقف والقرارات:

ومع أن بعض القرارات ربما لم تكن بيد احد تصويبها في لحظات يقلب عليها الشحن والغضب لاتسمح بالمراجعة.

لكن الشاهد أن ذلك أوجد ارتباك وطني وكذلك فراغًا سياسيًا وعمّق حالة الانقسام الجنوبي.


لقد شهدنا، خلال ديسمبر ويناير الماضيين، حالة من الصعود السياسي والهبوط المفاجئ، في وقت كانت فيه الحاجة ماسة إلى التروي، وقراءة المشهد بموضوعية، وتجنب الاستعجال في اتخاذ خطوات قد ندفع ثمنها طويلًا.


كما أن عدم التوازن في إدارة العلاقة الإقليمية، سواء مع الأشقاء في المملكة العربية السعودية أو مع بقية الأطراف الفاعلة في الأقليم العربي، زاد من تعقيد المشهد، وادخل الجنوب في صراعات كنا نحذر من الوقوع فيها كما وقعت في ذلك حركات التحرر الفلسطينية.

في ظل تسابق بعض الأطراف نحو الظهور وكأنها البديل المطلق، أو تكرار البعض لعقلية الفرز المناطقي دون امتلاك مشروع وطني جامع.


ما يحتاجه الجنوب اليوم ليس إعادة إنتاج الوجوه أو الآليات ذاتها التي أسهمت في صناعة الإخفاقات، بل عقلية جديدة جامعة، تؤمن بالشراكة لا بالإقصاء، وبالتقييم لا بالمكابرة، وبالاعتراف بالأخطاء لا بتجاهلها. عقلية تستوعب الجميع وتبتعد عن تصفية الحسابات أو محاولة احتكار التمثيل. فالقضية الجنوبية أكبر من أي إطار تنظيمي أو شخص، وهي مسؤولية تاريخية لا تقبل منطق الغلبة أو الثأر السياسي.

إن الدعوة اليوم موجهة إلى جميع القيادات، في الداخل والخارج، إلى مراجعة شاملة وهادئة، بعيدًا عن ردود الأفعال أو منطق كسر الإرادات. كما أن من المهم أن يكون الأشقاء في التحالف، وفي مقدمتهم المملكة العربية السعودية، على اطلاع حقيقي بطبيعة المشهد الجنوبي، وبحقيقة الشخصيات والكفاءات، إذ ليس كل من يمتلك حضورًا إعلاميًا أو قدرة على الوصول السياسي يمثل بالضرورة المزاج الشعبي أو يمتلك مشروعًا وطنيًا راسخًا.

الجنوب مجتمع محدود العدد مقارنة بدول المنطقة، ويعرف جيدًا رجاله ومواقفهم عبر العقود. يعرف الصادق من المتقلب، والمخلص من الباحث عن موقع. ولذلك فإن المرحلة الراهنة تفرض إعادة الاعتبار للكفاءة والتخصص والخبرة الوطنية، وبناء مؤسسات قادرة على إنتاج قيادة حقيقية لا تستمد شرعيتها من اللحظة أو من الدعم الظرفي، بل من ثقة الناس ومن قدرتها على إدارة المرحلة بعقل الدولة لا بعقل الجماعة.

إن تضميد الجراح، وترميم الصفوف، وتصحيح المسار، كلها مهام صعبة، لكنها ليست مستحيلة إذا توفرت الإرادة الصادقة. أما الاستمرار في تكرار الأخطاء ذاتها، ومحاولة تجاوز الانتكاسات دون مراجعة حقيقية، فلن يؤدي إلا إلى إطالة أمد الأزمة.


هذه رسالة محبة ومسؤولية في آنٍ واحد؛ رسالة إلى كل من يتحدث باسم الجنوب ويعمل من أجله: لا يليق بقضية بحجم الجنوب أن تُدار بعشوائية وبعقلية جنوبية تكرر نفس آليات العمل السابقة دون اكتراث بماحدث من انتكاسه كبيرة ، ولايليق بمن يمسك بقرار مابعد الانتكاسة أن يعيد تكرار نفس اليات

العمل المكررة منذُ ٩٤م.

فالتيجة ستكون واحدة

تكرار للفشل السابق والوجوه المكررة.


في الختام نتمنى من الأشقاء في المملكة العربية السعودية

أن لاتقع فيما وقع فيه من كان

قبلهم ونثق أنها تدرك الصادق من الكاذب والناصح من المزايد

بالمواقف.


والله الهادي لطريق السداد


وجهة نظر شخصية.

نائب رئيس فريق الحوار الوطني الجنوبي

ورئيس منبر عدن للحوار

13 فبراير 202٦م