آخر تحديث :الجمعة-13 فبراير 2026-05:15م

إعادة رسم النفوذ في الجنوب: اختبار الدولة والدور السعودي

الجمعة - 13 فبراير 2026 - الساعة 02:42 م
د.فائزة عبدالرقيب سلام

بقلم: د.فائزة عبدالرقيب سلام
- ارشيف الكاتب


في مسار حربٍ معقّدة، لم يكن انسحاب الإمارات من اليمن حدثاً عابراً، بل محطة سياسية اعادت تشكيل موازين النفوذ داخل المعسكر المناهض للحوثيين. كما أن انتقال إدارة الملف عملياً الى السعودية لا يبدّل حسابات الخارج فحسب، بل يفرض إعادة ترتيب اوراق الداخل، خصوصاً في الجنوب الذي ظل ساحة لتقاطعات إقليمية ومحلية متشابكة. غير أن جوهر المرحلة لا يرتبط بمن بقي في المشهد، بل بكيفية إدارة التحول. فالانسحاب العسكري لا يمحو آثار سنوات من بناء شبكات نفوذ، ولا يُنهي التعقيدات التي تراكمت في المحافظات المحررة.


اليمن اليوم لم يعد مجرد مواجهة بين شرعية وانقلاب، بل فضاءً لتوازنات دقيقة بين قوى لكل منها مشروعها وحساباتها. وفي هذا السياق، جاء ما سُمّي بـ«البيان الدستوري» الذي اعلنه عيدروس الزبيدي مؤخراً عبر منصة «إكس» (تويتر سابقاً)، ليضيف طبقة جديدة من التعقيد. فالإعلانات ذات الطابع السيادي في لحظات إعادة التموضع الإقليمي لا تُقرأ كنصوص عابرة، بل كرسائل سياسية متعددة الاتجاهات: الى الداخل الجنوبي، والى الحكومة، وربما الى الرياض. وما اعقب ذلك البيان من توترات في سيئون وشبوة يعكس هشاشة المرحلة وحساسية توقيتها.


الإشكالية هنا ليست في حق اي مكوّن في طرح رؤيته، بل في التوقيت وادوات التعبير. فالمشاريع الكبرى، حين تُطرح خارج اطار التوافق، وفي ظل مؤسسات لم تستكمل عافيتها، تتحول الى عناصر استقطاب قد تربك المشهدين السياسي والأمني معاً. والجنوب، الذي يُفترض أن يكون نموذجاً للاستقرار في مواجهة الحوثيين، يجد نفسه أمام اختبارات إما أن تضبط إيقاعه الداخلي او تُضعف موقعه.

عدن وبقية المحافظات المحررة تحتاجان الى بيئة مستقرة لعودة الحكومة، وتفعيل المؤسسات، وتحسين الخدمات. صحيح أن ثمة تقدماً، لكنه بطيء ولا يحتمل هزات اضافية. واي انفلات أمني، مهما بدا محدوداً، يبعث برسائل سلبية عن قدرة السلطة وحلفائها على إدارة المرحلة، في وقت تسعى فيه السعودية الى تثبيت مقاربة موحّدة للملف اليمني.


التحول الإقليمي يفرض اختباراً مزدوجاً: على الرياض ادارة التوازن بين دعم الشرعية واحتواء القوى المحلية من دون إنتاج مراكز قوة متنافسة، وعلى الفاعلين الجنوبيين ادراك أن لحظة إعادة التموضع ليست ساحة لفرض وقائع احادية. فالفراغ، إن لم يُملأ بمشروع دولة، تتمدد فيه الصراعات.

اليمن امام مفترق طرق و نجاح المرحلة لن يُقاس بالخطاب السياسي، بل بعودة فاعلة للحكومة، وانضباط أمني وخدمات تلامس حياة الناس. ذلك هو معيار الدولة وتلك هي الرسالة التي ينتظرها اليمنيون اليوم.