إعمار اليمن.. حين تتحول المناطق المحررة إلى نواة نهضة
حين تنتهي الحروب لا يُقاس النصر بعدد المواقع المحررة فحسب، بل بقدرة الدولة على تحويل تلك المواقع إلى نماذج استقرار وازدهار. في اليمن، تبدو المناطق المحررة اليوم أمام فرصة تاريخية: أن تكون مختبراً حياً لنهضة اقتصادية وإدارية تُثبت أن السلام أكثر جدوى من السلاح، وأن الدولة أقدر من الفوضى على صناعة المستقبل.
التاريخ يقدم مثالاً بالغ الدلالة. فبعد الحرب العالمية الثانية، أطلقت الولايات المتحدة خطة مارشال بقيادة وزير خارجيتها آنذاك جورج مارشال. لم تكن الخطة مجرد ضخ أموال في اقتصاد أوروبي منهك، بل مشروعاً لإعادة بناء المؤسسات، وتحفيز الإنتاج، وترسيخ الاستقرار السياسي. وكانت ألمانيا — رغم انقسامها ودمارها — أبرز من استفاد من هذا التحول، فنهضت من تحت الركام لتصبح خلال عقود قليلة قوة صناعية كبرى.
ألمانيا.. الدرس الذي لا يشيخ
لم تقم المعجزة الألمانية على الدعم المالي وحده، بل على ثلاثة أعمدة:
إصلاح مؤسسي يعيد الثقة بالدولة والقانون.
اقتصاد سوق منضبط يشجع المبادرة ويكافئ الإنتاج.
استثمار عميق في التعليم والتدريب المهني.
لقد تحولت المدن المدمرة إلى ورش عمل، وتحولت المساعدات إلى مصانع، وتحول الإحباط إلى طموح وطني جامع. كانت الفكرة بسيطة لكنها حاسمة: أفضل رد على الدمار هو البناء، وأفضل رد على الهزيمة هو الإنجاز.
المناطق المحررة.. فرصة لصناعة النموذج
في اليمن، يمكن للمناطق المحررة أن تلعب الدور نفسه الذي لعبته ألمانيا الغربية في أوروبا ما بعد الحرب: أن تصبح نموذجاً عملياً يُقارن به غيره. فإذا نجحت هذه المناطق في تحقيق استقرار أمني، وتحسين الخدمات، وتحريك عجلة الاقتصاد، فإنها سترسل رسالة واضحة إلى الداخل والخارج مفادها أن الدولة قادرة على توفير حياة أفضل من أي مشروع ميليشياوي.
إن بناء نموذج ناجح في هذه المناطق لا يعني فقط تحسين الواقع المعيشي، بل يخلق ديناميكية سياسية واجتماعية تجعل مشروع الفوضى أكثر هشاشة. فحين يرى المواطن مدرسة تُبنى، وطريقاً يُعبَّد، وميناءً يعمل، وفرصة عمل متاحة، يصبح الخيار واضحاً دون شعارات.
من الإغاثة إلى «مارشال يمنية»
هنا يبرز دور صندوق الملك سلمان بوصفه أحد أهم أدوات الدعم الإقليمي لليمن. غير أن التحدي لا يكمن في حجم التمويل، بل في فلسفة توجيهه. المطلوب ليس مجرد إغاثة آنية، بل خطة متكاملة تعيد بناء البنية التحتية، وتدعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتستثمر في الطاقة والموانئ والزراعة، وتخلق بيئة جاذبة للاستثمار.
خطة مارشال لم تكن منحة خيرية، بل استثماراً في الاستقرار طويل الأمد. وكذلك فإن أي مشروع لإعمار اليمن يجب أن يُنظر إليه باعتباره استثماراً في أمن المنطقة وازدهارها، لا مجرد استجابة إنسانية مؤقتة.
سقوط المشروع المسلح.. حين يسبق الاقتصاد السياسة
التجارب التاريخية تُظهر أن النماذج الناجحة تُضعف النماذج الفاشلة تلقائياً. فحين يتعزز الاستقرار والازدهار في المناطق المحررة، يصبح الفرق ملموساً في حياة الناس، ويغدو التغيير مطلباً مجتمعياً قبل أن يكون قراراً عسكرياً أو سياسياً. الاقتصاد المنتج، والخدمات المنتظمة، وفرص العمل الكريمة، كلها أدوات أكثر فاعلية واستدامة من أي مواجهة عابرة.
إعمار يصنع السلام
إن إعمار اليمن ليس مرحلة تالية للحرب فحسب، بل هو جزء من معركة تثبيت السلام. وإذا ما استُلهمت روح خطة مارشال — لا بنقلها حرفياً، بل بتكييف مبادئها — يمكن للمناطق المحررة أن تتحول إلى رافعة وطنية كبرى، تبرهن أن الدولة العادلة المنتجة هي المستقبل.
فكما نهضت ألمانيا من تحت الأنقاض، يمكن لليمن أن ينهض من بين الركام، إذا تحوّل الدعم إلى رؤية، والرؤية إلى مؤسسات، والمؤسسات إلى إنجاز ملموس في حياة الناس. عندها فقط يصبح الإعمار طريقاً مؤكداً إلى استقرار دائم، وتغدو النهضة أقوى من أي سلاح.