وُلدتُ يمنيًا، ولم أتعلم اسمي قبل أن أتعلم اسم بلادي. في صفوف الابتدائية، كنا نقف كل صباح نهتف: إنني يمني. لم تكن العبارة نشيدًا عابرًا، بل كانت تعريفًا للذات، وهوية تُغرس في الروح قبل أن تُكتب في الدفاتر.
كان الاسم الرسمي لدولتنا هو جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، وكنا نخط في أعلى الصفحة — بدلًا عن البسملة — شعارًا يعكس روح المرحلة:
لنناضل من أجل الدفاع عن الثورة اليمنية وتنفيذ الخطة الخمسية وتحقيق الوحدة اليمنية.
لم يكن ذلك ترفًا لغويًا، بل عقيدة سياسية تُبنى عليها المناهج، وتُصاغ بها الخطابات، وتتشكل بها الذاكرة العامة.
حتى اسم ناقلتنا الجوية، اليمدا، لم يكن إلا اختصارًا لـ اليمن الديمقراطي. كان اليمن حاضرًا في التسمية كما في التوجه، في الأرض كما في السماء. لم يكن الانتماء تفصيلًا، بل أصلًا.
وحين تحققت الوحدة، أصبح النشيد الوطني الرسمي للدولة الموحدة هو النشيد ذاته الذي كنا نردده قبلها؛ رددي أيتها الدنيا نشيدي. فكيف يُقال لنا اليوم إننا غرباء عن هويةٍ كان نشيدها نشيدنا؟ وكيف يُراد إقناعنا أن ذاكرة الجنوب منفصلة عن ذاكرة اليمن، بينما صوت النشيد واحد؟
أما العلم الذي يرفضه بعضهم اليوم، بل ويسعى إلى إهانته، فهو علم الدولة الجنوبية بعد استقلالها من المملكة المتحدة. ذلك العلم لم يكن راية فصيل، بل رمز مرحلة تاريخية نضالية. قد نختلف سياسيًا حول الحاضر، لكن ازدراء الرموز لا يصنع مستقبلًا، بل يفتح جراحًا في الذاكرة.
فلنناضل — نعم — من أجل محو الظلم، وتصحيح الاختلال، وانتزاع الحقوق كاملة غير منقوصة. لكن النضال من أجل العدالة لا يعني أن نقتلع جذورنا، ولا أن نتخلى عن قوميتنا، ولا أن نمحو تاريخًا صنع هويتنا. الإصلاح لا يكون بهدم البيت فوق رؤوس ساكنيه، بل بإعادة ترميمه على أسسٍ أعدل.
اليمن ليس شعارًا يُرفع حينًا ويُخفض حينًا. اليمن امتداد من صعدة إلى المهرة، ومن ذاكرة الثورة إلى حلم الدولة العادلة. هو شعورٌ يسري في الدم، لا قرارًا إداريًا يُتخذ في لحظة غضب.
أقنعوني أنني لست يمنيًا.
أقنعوني أن النشيد الذي حفظته ليس نشيدي، وأن العلم الذي ظلّل طفولتي ليس علمي، وأن الوحدة التي حلمنا بها كانت خطيئة في أصلها. إن استطعتم، فهاتوا حجتكم. وإن لم تستطيعوا، فاتركوا لنا حقنا في أن نكون يمنيين كاملين، نطالب بالعدل دون أن نتخلى عن الوطن.
أنا يمني.
واليمن مزروع في قلبي… على الأرض، وفي السماء.