بيان في سؤال التعليم والعمل
لم تعد الأزمة في نقص الوظائف فحسب،
بل في انهيار الفكرة التي قامت عليها سنوات التعليم كلها.
قيل لنا إن العلم طريق.
وإن الاجتهاد يُكافأ.
وإن المستقبل يُبنى بالصبر والمعرفة.
فصدّقنا.
استثمرت الأسر ما لا تملك في تعليم أبنائها.
تحملت الأمهات القلق بصمت،
واختصر الآباء أعمارهم بين قسطٍ جامعي وأملٍ مؤجل.
تخرّج الأبناء…
ثم اصطدموا بفراغٍ لا يعترف بشهاداتهم.
الجدوى هنا ليست رقمًا في إحصائية بطالة،
بل سؤالًا أخلاقيًا وسياسيًا معًا:
ما قيمة تعليم لا يفتح بابًا؟
ما معنى أن تُخرّج مؤسساتنا آلاف الشباب سنويًا،
ولا تُقدّم بالمقابل رؤية حقيقية لاستيعابهم؟
حين يُفصل التعليم عن الاقتصاد،
ويُعزل التخطيط عن الواقع،
تتحول الجامعة إلى محطة زمنية لا أكثر.
يمضي فيها الشباب أعوامًا من أعمارهم،
ثم يعودون إلى نقطة البداية…
لكن بإحباطٍ أعمق.
المسألة لم تعد فردية.
ليست حكاية شاب لم يجد وظيفة.
إنها خلل بنيوي يُعاد إنتاجه كل عام،
دفعة جديدة من المتعلمين…
وقائمة انتظار أطول.
وأخطر ما في هذا الخلل
ليس البطالة بحد ذاتها،
بل فقدان الإيمان بالجدوى.
حين يشعر جيلٌ كامل أن جهده لا يُثمر،
يتآكل إيمانه بفكرة الاستحقاق.
تضعف ثقته بالمؤسسات.
ويكبر السؤال في داخله:
لماذا نتعلم إذا كان الطريق مسدودًا؟
هذا السؤال ليس تمردًا.
إنه نتيجة طبيعية لوعدٍ لم يُصَن.
الجدوى المفقودة ليست قدرًا محتومًا،
بل نتيجة غياب رؤية تربط بين التعليم والتنمية،
وبين التخصصات واحتياجات السوق،
وبين التخريج والتشغيل.
إن استمرار هذا الوضع
لا يُنتج بطالة فقط،
بل يُنتج هشاشة اجتماعية،
وإحباطًا متراكمًا،
وعقولًا تفكر في الرحيل بدل البناء.
وطنٌ يُعلّم أبناءه ثم يعجز عن احتوائهم،
لا يخسر وظائف فحسب…
بل يخسر ثقته بنفسه.
المطلوب ليس وعودًا جديدة،
بل مراجعة جادة،
ومساءلة شفافة،
وخطة واضحة تعيد للتعليم معناه،
وتعيد للعمل كرامته.
لأن الجيل الذي ينتظر طويلًا
قد يصبر…
لكنه لا ينسى.
الجدوى ليست ترفًا فكريًا.
إنها حق.
✍️ ساره الظهر " معيدة بدون عمل "
15 فبراير 2026