هل يستطيع اليمن دخول المنظومة الخليجية كشريك حقيقي ام كحالة إنقاذ مؤقتة، في ظل حرب انهكت الدولة والمواطن اليمني معا؟
د. فائزة عبدالرقيب
في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، وخلال الجلسة الحوارية التي نظمها مركز الخليج للأبحاث بالتعاون مع مجموعة الأزمات الدولية مؤخراً، فتح حديث فخامة الرئيس الدكتور رشاد العليمي عن الاندماج التدريجي لليمن في المنظومة الخليجية عبر البوابة السعودية باباً يمكن من خلاله تعزيز العمق الجغرافي والبشري للمنظومة. لكنه في الوقت ذاته، يطرح تساؤلات جوهرية تتعلق بالسيادة اكثر مما تتعلق بالسياسة. فاليمن اليوم يقف عند مفترق طرق: هل سيضعه الانضمام التدريجي شريكاً متكافئاً، ام سيحوله الى مجرد حالة إنقاذ مؤقتة تفرض عليه بسبب ضعف الدولة واستنزاف مؤسساتها؟
السؤال ليس جديداً، لكنه — في تقديري — بالغ الأهمية. فالبلاد، بعد سنوات من الحرب، تواجه انهياراً اقتصادياً، وتآكلاً مؤسساتياً، وضعفاً في قدرتها على اتخاذ القرارات، بما فيها القرارات السيادية. وفي هذه الظروف يبرز القلق المشروع: هل يمكن لليمن الانخراط في منظومة إقليمية بينما لم يستعد عافيته المؤسسية؟ وهل دخوله سيكون نابعاً من قوة، لا من حاجة ملحة للحصول على الدعم الخارجي؟
ويبرز سؤالٌ آخر متصل بالبعد الإنساني والسياسي معاً: لماذا يُطرح الحديث عن الاندماج الآن؟ وهل يخدم ذلك مصلحة المواطن على المدى الطويل، ام قد يتحول الى عبءٍ اضافي عليه مستقبلاً إذا ما تراجعت المساعدات؟
ربما يكون من الأفضل أن يُمنح اليمنيون فرصة الاختيار عبر استفتاء شعبي في ظروف اكثر استقراراً وأمناً، بعد عودة الحياة الطبيعية، بحيث يصبح المواطن شريكاً واعياً يتحمل مسؤولية قراره، لا طرفاً مُنهكاً تُعرض عليه خيارات كبرى بينما يرزح تحت وطأة الحرب والجوع والفقر وغياب الخدمات.
إن هذه التساؤلات لا تنطلق من رفض فكرة الانخراط الخليجي بقدر ما تعكس قلقاً مشروعاً بشأن التوقيت والظرف. فالدول لا تُقاس برغبتها في الانضمام الى التكتلات الإقليمية فحسب، بل بقدرتها على الدخول اليها وهي محتفظة بحد ادنى من التوازن والقرار السيادي والكرامة الوطنية. واليمن اليوم، وهو يرزح تحت وطأة الحرب وتآكل مؤسساته، يحتاج اولاً الى استعادة قدر معقول من السيطرة والفاعلية قبل أن يطرق ابواب اي منظومة خارجية.
ومع ذلك، فإن الفرصة قائمة، وتجاهلها ليس خياراً امثل. ومقترح الاندماج التدريجي عبر السعودية يمكن أن يتحول الى مسار تأهيل داخلي يشمل بناء الثقة، وإعادة تنظيم المؤسسات، واستعادة التعافي الاقتصادي، وتعزيز الأمن، شريطة الا يكون مقترناً باتفاقات ملزمة غير متكافئة يكون فيها الطرف اليمني الاضعف تحت ضغط الحاجة. وعندها فقط يمكن لليمن أن يدخل المنظومة الخليجية كشريك حقيقي، بناء على إرادة شعبية واضحة، لا بوصفه حالة طارئة او طرفاً تابعاً.
ان اليمن بلد ذو تاريخ عريق وحضارات متعاقبة تشهد بقدرته على الإنجاز حين توافرت له القوة والاستقرار؛ لذلك فإن التريث في عدم اتخاذ قرار سيادي بهذا الحجم في ظل الظروف الراهنة يبدو خياراً حكيماً، حتى يبقى للسؤال المركزي جواب واضح المعالم: هل سيدخل اليمن هذه الشراكة من موقع القوة بعد إعادة بناء الدولة؟ إن الإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد مستقبل علاقة اليمن بالخليج، ومستوى الاستقرار الداخلي الممكن تحقيقه بعد سنواتٍ طويلة من الضعف والمعاناة.