آخر تحديث :الجمعة-20 مارس 2026-12:15ص

لا دولة بلا تهامة الشراكة العادلة شرط البقاء الوطني

الثلاثاء - 17 فبراير 2026 - الساعة 12:34 م
عبدالجبار سلمان

بقلم: عبدالجبار سلمان
- ارشيف الكاتب


ما يجري اليوم من تغييبٍ متعمّد لتهامة عن مجلس القيادة الرئاسي اليمني ، وعن تشكيل الحكومة ومراكز القرار في الدولة ومؤسساتها، لا يمكن قراءته بوصفه خللاً عابراً في ميزان التمثيل، ولا باعتباره نتيجة عرضية لتعقيدات المشهد السياسي. إن ما يحدث هو استمرار مباشر لنهج الإلغاء القسري ذاته الذي عانت منه تهامة تاريخياً، وإن تبدّلت الأدوات وتغيّرت الشعارات. إنها إعادة إنتاج ممنهجة لسياسات الإقصاء، ولكن بواجهات جديدة وخطاب مختلف، بينما الجوهر واحد إبقاء تهامة خارج دائرة التأثير وصناعة القرار. لم يكن تغييب تهامة عن بنية السلطة التنفيذية، وعن التشكيلات الحكومية الأخيرة ضمن إطار الحكومة اليمنية، مجرد سهو إداري أو خلل تقني في توزيع الحقائب. بل هو مؤشر سياسي واضح على استمرار الذهنية التي ترى في تهامة هامشاً يمكن تجاوزه، أو ملفاً يُدار بالإنابة، أو ساحة نفوذ تُوزع بين مراكز القوى دون اعتبار لإرادة أبنائها. إن تكرار هذا النمط عبر المراحل المختلفة يؤكد أننا أمام سياسة متراكمة لا أمام واقعة معزولة. فكل مرة يُعاد تشكيل السلطة، يُعاد معها إنتاج المعادلة ذاتها تهامة خارج الحسابات الحقيقية للقرار. يُستدعى اسمها عند الحاجة إلى خطاب وطني جامع، لكنها تُستبعد عند توزيع النفوذ والمسؤولية. أي سلطة أو تشكيل سياسي ينتج عن هذا الإقصاء، أو يتعامل مع تهامة ككتلة صامتة أو ملحق هامشي، يفقد تلقائياً أهليته الوطنية الكاملة. فالشرعية ليست إجراءً شكلياً ولا توافقاً مغلقاً بين نخب تتقاسم الحصص، بل هي تمثيل عادل ومتوازن لكل المكونات الوطنية. حين يُقصى مكوّن بحجم تهامة، بثقلها السكاني والجغرافي والاقتصادي، من مراكز القرار، فإن الحديث عن “شراكة” يصبح خطاباً بلا مضمون. وحين يُستبدل التمثيل الحقيقي بوجوه لا تعبّر عن المشروع التهامي ولا تستمد تفويضها من أبنائه، فإن ذلك لا يُعد تمثيلاً، بل وصاية مقنّعة. التمثيل لا يُمنح عبر الوسطاء، ولا يُدار من خلف الستار، ولا يُفرض بقرار فوقي. التمثيل يُنتزع من الإرادة الشعبية، ويستمد مشروعيته من القاعدة الاجتماعية التي تحاسب وتراقب وتوجّه. وأي التفاف على هذا المبدأ هو انتقاص مباشر من مفهوم الدولة الجامعة. إن الاستمرار في التعامل مع تهامة بعقلية الإقصاء والازدراء والدونية، عبر مظلة مراكز القوى في الهضبة الزيدية أو غيرها من مراكز النفوذ التقليدية، لن يؤدي إلا إلى تعميق الفجوة الوطنية. فهذه الذهنية، التي تختزل تهامة في دور هامشي أو تابع، تعكس تصوراً قديماً للدولة قائم على المركز المهيمن والأطراف الخاضعة. لكن الزمن تغيّر. والمجتمعات لم تعد تقبل أن تُدار بعقلية الوصاية. وتهامة، بتاريخها ونضالاتها وإسهامها الوطني، ليست امتداداً جغرافياً لغيرها، ولا مجالاً حيوياً لمشاريع الآخرين. إنها مكوّن أصيل له هويته ومصالحه ورؤيته لمستقبل الدولة. اختزالها في أدوار ثانوية، أو حصر حضورها في مواقع شكلية بلا تأثير حقيقي، هو استمرار لسياسة تهميش ممنهجة لا يمكن أن تنتج استقراراً. فالدول لا تُبنى بإقصاء مكوناتها، ولا تُدار بتجاهل تطلعات شعوبها. إن الحكومة المُعلن عن تشكيلها، بما انطوت عليه من تغييب كامل لتهامة عن مواقع القرار الفاعلة، تمثل حلقة جديدة في هذا المسار الإقصائي. لم يكن الغياب مجرد نقص في عدد المقاعد، بل غياباً عن مواقع التأثير الحقيقية، وعن دوائر صنع السياسات العامة. وهنا يصبح أي حديث عن الكفاءة أو المعايير المهنية أو مقتضيات المرحلة مجرد غطاء لا يغيّر من حقيقة الإقصاء. فالكفاءة لا تتناقض مع التمثيل العادل، والشراكة لا تتعارض مع المهنية. بل إن استبعاد مكوّن كامل يطرح سؤالاً جوهرياً كيف يمكن الحديث عن دولة جامعة فيما تُقصى منطقة بأكملها من مراكز القرار ؟ إن التمثيل الحقيقي لتهامة لا يتحقق بتعيين أسماء معزولة عن مشروعها المجتمعي، ولا بوجوه لا تعكس تطلعات أبنائها. التمثيل يعني حضور كوادر تهامية حقيقية، تحمل مشروعاً واضحاً، وتستمد شرعيتها من مجتمعها، وتكون مسؤولة أمامه.

ما جرى ليس خطأً عابراً يمكن احتواؤه ببيان اعتذار أو وعدٍ بالتعويض لاحقاً. إنه حلقة جديدة في سلسلة من السياسات التي راكمت شعوراً عميقاً بالغبن والتهميش. وكل حلقة جديدة تزيد منسوب الاحتقان، وتدفع نحو خيارات لم تكن مطروحة سابقاً. سياسات الإلغاء لا تنتج إلا مزيداً من الانقسام. وحين يُغلق باب الشراكة المتكافئة، تُفتح أبواب أخرى قد لا تكون في صالح أحد. فالإقصاء المستمر لا يضعف المكوّن المُقصى بقدر ما يضعف الدولة ذاتها، لأنه يقوّض الثقة في بنيتها ومشروعها الجامع. ورغم كل ذلك، فإن تمسّك تهامة بشرعية الدولة يظل موقفاً مبدئياً ثابتاً، باعتبار الدولة الإطار الوحيد لاستعادة المؤسسات وبناء نظام يقوم على القانون والمواطنة المتساوية. غير أن إقصاء تهامة داخل هذه الشرعية يُعد تقويضاً مباشراً لمشروع الدولة نفسه. لا يمكن الدفاع عن شرعية تُقصي أحد مكوناتها. ولا يمكن بناء دولة نظام وقانون بشراكة مبتورة. فالدولة التي لا تتسع لجميع أبنائها، وتتعامل مع بعضهم بوصفهم هامشاً، تفقد مضمونها الأخلاقي والسياسي. إن إنهاء هذا المسار لا يبدأ بترضيات شكلية، ولا بوعود عامة، بل باعتراف صريح وواضح بحق تهامة في التمثيل الذاتي الحقيقي، المشاركة الفاعلة في صنع القرار، حمل مشروعها بأبنائها، لا عبر وكلاء أو أوصياء. والاعتراف بأن تهامة ليست ملفاً يُدار، بل شريكاً يُحاور. وليست هامشاً يُلحق، بل ركناً أساسياً في معادلة الوطن. لقد تجاوزت تهامة مرحلة القبول بالإدارة من خارجها. ولن تقبل بعد اليوم أن يُتخذ القرار باسمها دون حضورها، أو أن تُختزل في تمثيل رمزي لا يعكس إرادتها. ومن يصرّ على تجاهل هذا التحول، إنما يضع نفسه في مواجهة سياسية مباشرة مع أبناء تهامة. إن اللحظة الراهنة تضع الجميع أمام اختبار وطني حقيقي إما دولة تتسع لكل مكوناتها على قدم المساواة، أو سلطة تُعيد إنتاج الإقصاء بأدوات جديدة. والفرق بينهما ليس في الخطاب، بل في تمثيل حقيقي عادل، وفي إرادة سياسية تعترف بأن الشراكة ليست منّة، بل حق. تهامة اليوم لا تطلب امتيازاً، بل تطالب بحق مستحق في الشراكة والتمثيل والقرار، بما يتناسب مع حجمها وأهميتها وإسهامها الوطني. وأي سلطة تتجاهل هذا الحق، أو تلتف عليه، إنما تُضعف نفسها قبل أن تُضعف غيرها. ءفالتمثيل لا يُدار بالوصاية، ولا يُمنح عبر الوسطاء، بل يُنتزع من الإرادة الشعبية. وتهامة قررت أن تكون حاضرة باسمها، وبأبنائها، وبمشروعها… لا هامشاً في دفتر الآخرين.