إن قضية الجنوب، ممثلة بدولة جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية بحدود ما قبل 20 مايو 1990م، ووفق التقسيم الإداري للمحافظات الجنوبية (عدن، لحج، أبين، شبوه، حضرموت، المهرة)، أعاد إحياءها وتصويب مسارها الحراك الجنوبي السلمي الذي انطلق عام 2007م، حيث تبنى مشروعًا سياسيًا واضحًا، وأقر فيدرالية الجنوب من المحافظات الست، وقاد نضالًا سلميًا أعاد القضية الجنوبية إلى الواجهة، حتى ورد ذكر الحراك الجنوبي السلمي في قرار مجلس الأمن رقم 2140 ضمن سياق العملية السياسية في اليمن.
غير أنه وبعد مرور ثمانية عشر عامًا على انطلاق الحراك، لم تتحقق تطلعات أبناء الجنوب بالشكل المنشود، وذلك لأسباب متعددة، من أبرزها اختطاف مسار الحراك وتفكيك هيئاته التنظيمية، وإعادة تشكيل المشهد السياسي بصورة ضيقة لا تعكس التعدد الجنوبي ولا عمقه الاجتماعي والتاريخي.
ومن المؤسف أن بعض الأصوات اليوم تدفع جزءًا من أبناء شعبنا إلى العودة لخطاب ما قبل 2007م، عبر تحويل الفعاليات الجماهيرية إلى منصات للتخوين والشتائم، سواء تجاه أطراف جنوبية أخرى أو تجاه دول الإقليم، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، التي تمثل ركيزة أساسية في معادلة الأمن والاستقرار في المنطقة.
إن توجيه الخطاب العدائي نحو المملكة أو غيرها من دول الإقليم لا يخدم القضية الجنوبية، بل يضعفها، ويعزلها سياسيًا، ويفتح أبوابًا لا تخدم مصلحة شعبنا.
وبحكم كوني أحد قيادات الحراك الذين عاصروا انطلاقته، أرى من الواجب الدعوة إلى ترشيد الخطاب السياسي والإعلامي، وضبط شعارات الفعاليات الجماهيرية، والعودة إلى الصوت الجنوبي التصالحي، داخليًا وإقليميًا، بما يحفظ كرامة القضية ويعزز فرص تحقيقها عبر مسار سياسي مسؤول ومتزن.
فالجنوب لا يحتاج إلى مزيد من الخصومات، بل إلى خطاب عقلاني جامع، يدرك موازين القوى، ويعمل على بناء شراكات لا على هدمها.