آخر تحديث :الثلاثاء-17 فبراير 2026-07:05م

إسرائيل تبتلع الضفة الغربية وتحوّل الدولة الفلسطينية إلى وهم

الثلاثاء - 17 فبراير 2026 - الساعة 03:43 م
حسن العاصي

بقلم: حسن العاصي
- ارشيف الكاتب




تتسارع على الأرض خطوات إسرائيلية ممنهجة تهدف إلى تكريس واقع جديد في الضفة الغربية، واقع يقطع الطريق أمام أي أفق لقيام دولة فلسطينية مستقلة، وفي ذات الوقت يتحدث العالم عن حلول سياسية عادلة للصراع الفلسطيني–الإسرائيلي. ففي فبراير 2026، صادقت الحكومة الإسرائيلية على سلسلة من الإجراءات الإدارية والقانونية، من بينها تسجيل مساحات واسعة من أراضي الضفة الغربية كـ"أملاك دولة"، وهو ما اعتبرته الأمم المتحدة والعديد من الدول "تصعيدًا خطيرًا" يقوّض فرص حل الدولتين ويشرعن التوسع الاستيطاني.

تشير التقارير إلى أن هذه القرارات لا تقتصر على مناطق الاستيطان فحسب، بل تمتد إلى مناطق مصنفة (أ) و(ب)، حيث يعيش ملايين الفلسطينيين تحت إدارة السلطة الوطنية، مما يعني عمليًا إعادة صياغة الواقع القانوني والمدني في الضفة الغربية لصالح السيطرة الإسرائيلية المباشرة. ووفق بيانات الأمم المتحدة، فإن أكثر من 700 ألف مستوطن يعيشون اليوم في الضفة الغربية والقدس الشرقية، موزعين على نحو 300 مستوطنة وبؤرة استيطانية، في حين تتعرض آلاف العائلات الفلسطينية لتهديدات الإخلاء القسري، كما حدث مؤخرًا في حي سلوان بالقدس.

هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات جامدة، بل هي مؤشرات على مسار سياسي وأمني يراد له أن يصبح أمرًا واقعًا: ضم فعلي للأرض، وتفتيت للجغرافيا الفلسطينية، وإغلاق الباب أمام أي إمكانية لإقامة دولة فلسطينية ذات سيادة. إن ما يجري اليوم في الضفة الغربية ليس مجرد إدارة نزاع، بل هو إعادة رسم للخريطة على حساب الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، في تحدٍ صارخ للقانون الدولي وقرارات مجلس الأمن.

السياق التاريخي والسياسي

منذ توقيع اتفاقيات أوسلو عام 1993، كان يُفترض أن تشكّل الضفة الغربية النواة الجغرافية والسياسية للدولة الفلسطينية المستقبلية، عبر تقسيمها إلى مناطق (أ) و(ب) تحت إدارة السلطة الوطنية الفلسطينية، ومناطق (ج) تحت السيطرة الإسرائيلية المؤقتة. غير أن الواقع على الأرض سار في اتجاه معاكس تمامًا، حيث تحولت المرحلة الانتقالية إلى فرصة لإسرائيل لتوسيع نفوذها وترسيخ مشروعها الاستيطاني.

عند توقيع أوسلو، كان عدد المستوطنين في الضفة الغربية لا يتجاوز 110 آلاف مستوطن موزعين على نحو 128 مستوطنة، إضافة إلى نحو 140 ألف مستوطن في القدس الشرقية. لكن بعد ثلاثة عقود، تضاعف الرقم بشكل هائل ليصل إلى أكثر من 465 ألف مستوطن في الضفة الغربية موزعين على نحو 300 مستوطنة وبؤرة استيطانية، إضافة إلى حوالي 230 ألف مستوطن في القدس الشرقية. هذه الأرقام تكشف أن المشروع الاستيطاني لم يتوقف عند حدود أوسلو، بل استغل الاتفاق كغطاء لتوسيع السيطرة الإسرائيلية على الأرض.

السياسات الإسرائيلية لم تقتصر على البناء الاستيطاني، بل شملت أيضًا مصادرة الأراضي الفلسطينية عبر آليات قانونية وإدارية، مثل إعلان مساحات واسعة "أراضي دولة"، أو تحويلها إلى مناطق عسكرية مغلقة، أو ربطها بمشاريع البنية التحتية الخاصة بالمستوطنات. ووفق تقارير الأمم المتحدة، فقد صادرت إسرائيل منذ عام 2000 أكثر من 2 مليون دونم من أراضي الضفة الغربية، أي ما يعادل نحو 35% من مساحتها الكلية، وهو ما أدى إلى تقليص المساحة المتاحة للفلسطينيين بشكل خطير.

في السنوات الأخيرة، ومع صعود تيارات اليمين القومي والديني داخل إسرائيل، أصبح الحديث عن "الضم الفعلي" للضفة الغربية أكثر وضوحًا. ففي فبراير 2026، صادقت الحكومة الإسرائيلية على إجراءات جديدة تشمل تسجيل أراضٍ فلسطينية كأملاك دولة، وتوسيع صلاحيات الإدارة المدنية الإسرائيلية في مناطق (أ) و(ب)، أي في قلب المدن الفلسطينية الكبرى، وهو ما اعتبره محللون "تسريعًا لعملية الضم الفعلي" ونهاية عملية أوسلو. هذه الخطوات تعني أن إسرائيل لم تعد تكتفي بالسيطرة على مناطق (ج)، بل بدأت بفرض نفوذها المباشر على مناطق يفترض أنها تحت إدارة السلطة الفلسطينية.

المجتمع الدولي عبّر عن قلقه، حيث أكدت تقارير الأمم المتحدة أن هذه الإجراءات تمثل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي ولقرارات مجلس الأمن، خاصة القرار 2334 لعام 2016 الذي يطالب بوقف الاستيطان فورًا. لكن رغم الإدانات، لم تُتخذ خطوات عملية لوقف التوسع، ما سمح لإسرائيل بفرض واقع جديد على الأرض. الاتحاد الأوروبي أصدر بيانات متكررة تدين الاستيطان، والولايات المتحدة عبّرت عن "قلق"، لكن دون إجراءات عقابية أو ضغط فعلي. بهذا الشكل، يتضح أن السياق التاريخي والسياسي منذ أوسلو وحتى اليوم كان مسارًا نحو إعادة رسم الخريطة لصالح إسرائيل، وتفتيت الجغرافيا الفلسطينية إلى جزر معزولة، ما يجعل أي حديث عن حل الدولتين أقرب إلى الوهم.

الإجراءات الإسرائيلية اليومية على الأرض

التفاصيل اليومية تكشف حجم الضغط الميداني الذي يهدف إلى جعل حياة الفلسطينيين أكثر صعوبة ودفعهم نحو الانسحاب التدريجي من أراضيهم، وهي جزء من استراتيجية تقوم على السيطرة المكانية، التقييد القانوني، والهندسة الديموغرافية.

* مصادرة الأراضي وتغيير صفتها القانونية: من أبرز الأدوات إعلان الأراضي "أراضي دولة" أو تحويلها لمناطق عسكرية. وقد صادرت إسرائيل منذ عام 2000 أكثر من 2 مليون دونم (35% من مساحة الضفة). هذه المصادرات تشمل أراضٍ زراعية حيوية تضرب الاقتصاد الفلسطيني.

* البناء الاستيطاني وتوسيع البؤر: تستمر الوتيرة المتسارعة، حيث تمت المصادقة في عام 2025 وحده على بناء أكثر من 13 ألف وحدة استيطانية جديدة. هذا التوسع يقطع أوصال الضفة عبر شبكة طرق تمنع الفلسطينيين من الوصول لأراضيهم.

* القيود على الحركة والتنقل: يزيد عدد الحواجز العسكرية عن 600 حاجز. وتقدر تقارير البنك الدولي أن هذه القيود تكلف الاقتصاد الفلسطيني نحو 3 مليارات دولار سنويًا (ثلث الناتج المحلي الإجمالي).

* هدم المنازل والإخلاء القسري: في عام 2025، هدمت السلطات الإسرائيلية أكثر من 950 منزلًا ومنشأة، مما أدى لتهجير حوالي 1,200 شخص، نصفهم أطفال.

* السيطرة على الموارد الطبيعية: تفرض إسرائيل سيطرة شبه كاملة على المياه؛ حيث يحصل المستوطن على 300 لتر يوميًا، بينما لا يتجاوز نصيب الفلسطيني 70 لترًا (أقل من توصيات منظمة الصحة العالمية).

الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية

* الاقتصاد تحت الضغط: خسر الفلسطينيون أكثر من 250 ألف دونم زراعي خلال عقدين، ما أدى لانخفاض الإنتاج الزراعي بنسبة 40%.

* البطالة والفقر: بلغ معدل البطالة في الضفة نحو 18% في عام 2025، ويعيش أكثر من 25% من السكان تحت خط الفقر.

* التعليم والصحة: يواجه أكثر من 50 ألف طالب عوائق يومية للوصول لمدارسهم. وفي قطاع الصحة، لا يحصل نحو 30% من المرضى المحتاجين لعلاج متخصص على تصاريح للتنقل.

* التفاوت الصارخ: تتمتع المستوطنات ببنية تحتية متطورة، بينما يعيش الفلسطينيون في مناطق تعاني نقص الخدمات الأساسية وانقطاع الكهرباء والمياه.

* الأثر النفسي: تؤدي هذه السياسات إلى حالة من الإحباط واليأس، خاصة لدى الشباب (أكثر من 60% من السكان)، وفقدان الثقة في المستقبل.

الأبعاد القانونية والدولية

إسرائيل تمارس سياسات تتعارض مع اتفاقيات جنيف وقرارات مجلس الأمن. وجود المستوطنين ينتهك المادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة، وهدم المنازل يخالف المادة 53. ورغم القرار 2334 لعام 2016، بقيت هذه القرارات بلا آليات تنفيذية. وفي حين فتحت المحكمة الجنائية الدولية تحقيقًا في عام 2021، إلا أنه يسير ببطء شديد وسط ضغوط سياسية. تثير هذه الازدواجية تساؤلات حول مصداقية النظام القانوني العالمي.

الانعكاسات على مستقبل الدولة الفلسطينية

التوسع الاستيطاني (أكثر من 700 ألف مستوطن إجمالاً) ومصادرة الأراضي يجعل من المستحيل عمليًا رسم حدود لدولة ذات سيادة. إسرائيل تسعى لفرض ضم تدريجي بحكم الأمر الواقع، مما يحول حل الدولتين إلى شعار فارغ. إن ما يحدث يهدد استقرار الشرق الأوسط برمته ويضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي.

ردود الفعل الفلسطينية والعربية

ترى السلطة الفلسطينية في هذه الإجراءات إعلانًا لنهاية أوسلو. وتدعو فصائل أخرى لتصعيد المقاومة. عربيًا، صدرت إدانات من جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي. وحذر الأردن ومصر من التداعيات على الاستقرار الإقليمي.

الخاتمة: اختبار العدالة الدولية

إن المشهد في الضفة الغربية اليوم هو مرآة تعكس أزمة النظام الدولي الذي يفقد مصداقيته بعجزه عن حماية القانون الإنساني. إما أن يتحرك العالم لوقف هذا المسار، أو أن يقبل بانهيار فكرة القانون الدولي أمام منطق القوة