آخر تحديث :الثلاثاء-17 فبراير 2026-07:05م

إدراك المواطن للحقيقة والواقع في الجنوب: وعيٌ تشكّل من رحم المعاناة

الثلاثاء - 17 فبراير 2026 - الساعة 05:42 م
عدنان زين خواجه

بقلم: عدنان زين خواجه
- ارشيف الكاتب



على امتداد عقود من التحولات السياسية والحروب، ت

شكّل في الجنوب وعيٌ جمعيٌّ خاص، صاغته التجارب القاسية، وأعاد تعريف العلاقة بين المواطن والدولة، وبين الأرض والهوية. وبرغم محاولات طمس الهوية الجنوبية – كما يصفها كثير من أبناء المنطقة – ظلّ سؤال الحقيقة حاضرًا في الوجدان الشعبي، يقود المواقف ويحرّك الشارع كلما شعر الناس بأن حقوقهم مهددة أو قضيتهم في مهبّ الريح.

نمية المحافظات المنتجة، خصوصًهوية لم تذُب في صخب التحولات

منذ إعلان الوحدة بين شطري البلاد عام 1990، وما تلاها من حرب 1994، التي ارتبطت بـ حرب صيف 1994، تشكّلت روايتان متباينتان حول مسار الدولة وإدارة الثروة والسلطة. ويرى قطاع واسع من الجنوبيين أن الوحدة استُثمرت سياسيًا واقتصاديًا لصالح مراكز نفوذ في صنعاء، دون أن تنعكس عوائد الثروات على

تا في مجالات البنية التحتية والخدمات الأساسية.

هذا الشعور بالتهميش، وفقًا لخطاب جنوبي متنامٍ، لم يكن مجرد ادعاء سياسي، بل تجربة معيشة يومية انعكست في معدلات الفقر، وتراجع الخدمات، وتفاوت التنمية بين المناطق.

الحرب الأخيرة وتعزيز القناعة

مع اندلاع الحرب عام 2015، إثر سيطرة أنصار الله على صنعاء، وما تبعها من تدخل عسكري بقيادة التحالف العربي، وجد الجنوب نفسه مرة أخرى في قلب المواجهة. شارك آلاف الجنوبيين في القتال، بدوافع يصفونها بالدفاع عن الأرض والهوية والدين، وقدموا تضحيات جسيمة بين قتيل وجريح.

عايير الحكم لدى الشارع مرتبطة بتحسين الواقع المعيشي.

هذا الإدراك المتراكم جعل من الصعب – وفق مراقبين – تمرير مواقف سياسية متقلبة أو تسويات لا تراعي تطلعات الشارع. فالمواطن الذي خبر الحرب والفقر، لم يعد يتعامل مع الشعارات بسطحية، بل يقيس الأداء بمدى هذه المشاركة الواسعة عززت، في نظر كثيرين، الإحساس بالملكية المعنوية للقضية، وأن الجنوب لم يكن طرفًا هامشيًا في الحرب، بل لاعبًا رئيسيًا دفع ثمنًا بشريًا باهظًا. ومن هنا تعمّق الإدراك بأن ما بعد الحرب يجب أن يعكس حجم تلك التضحيات، سياسيًا واقتصاديًا.

الوعي بالخدمات والاقتصاد

اليوم، يتابع المواطن الجنوبي – كما يصفه ناشطون – تفاصيل المشهد الخدمي والاقتصادي بدقة: من أزمة الكهرباء والمياه، إلى تأخر الرواتب، وانهيار العملة المحلية، وتراجع القدرة الشرائية. لم يعد الخطاب السياسي وحده مؤثرًا؛ بل أصبحت

مانعكاسه على حياته اليومية.

الشارع كمساحة تعبير دائم

رغم الفقر والجوع واستمرار الأزمات، يواصل كثير من أبناء الجنوب الخروج إلى الشارع للتعبير عن مواقفهم. هذا الحضور المتكرر في الساحات يعكس تمسّكًا بالقضية كما يفهمونها، وإصرارًا على المطالبة بالحقوق، سواء كانت حقوقًا خدمية عاجلة أو سياسية بعيدة المدى.

ويرى متابعون أن استمرار الحراك الشعبي، رغم الظروف القاسية، يدل على أن القضية لم تعد مجرد مشروع نخبوي، بل تحوّلت إلى وعي جمعي متجذّر في قطاعات واسعة من المجتمع.

بين الرواية والواقع

في المقابل، ثمة من يدعو إلى قراءة المشهد بزاوية أوسع، تأخذ في الاعتبار تعقيدات الدولة اليمنية ككل، وتداخل العوامل الإقليمية والدولية، وأثر الحرب الممتد على مختلف المحافظات شمالًا وجنوبًا. فالأزمة – في نظر هؤلاء – ليست حكرًا على منطقة دون أخرى، بل نتاج منظومة سياسية واقتصادية مأزومة منذ عقود.

ومع ذلك، يبقى الثابت أن الجنوب اليوم يعيش حالة إدراك سياسي واجتماعي متقدمة، تشكّلت عبر تجارب الوحدة والحرب والأزمات الاقتصادية. إدراكٌ يجعل المواطن أكثر حساسية تجاه قضاياه، وأكثر استعدادًا للدفاع عنها، وأقل قابلية لتصديق الوعود غير الملموسة.

في النهاية، يظل السؤال مفتوحًا: هل تتحول هذه الحالة من الوعي إلى مشروع سياسي جامع يعالج جذور الأزمة ويؤسس لمستقبل مستقر؟ أم أن تعقيدات المشهد ستبقي الجنوب – واليمن عمومًا – في دائرة التجاذبات؟

الإجابة مرهونة بقدرة الفاعلين السياسيين على قراءة هذا الإدراك الشعبي واحترامه، وترجمته إلى سياسات عادلة تعيد الثقة بين المواطن والدولة.