خلال الأسبوع الماضي أصبح الإنترنت متطرفاً بشأن تقدم الذكاء الاصطناعي بسبب مقال على الإنترنت كُتب بمساعدة الذكاء الاصطناعي، وهو أمر مناسب بدرجة كافية. وقارن مات شومر في مقاله المنتشر بعنوان «أمر كبير يحدث» بين اللحظة الحالية للذكاء الاصطناعي والأيام الأولى لانتشار وباء «كوفيد - 19» عندما لم يكن الناس يدركون أن عالمهم على وشك التغير بشكل كامل. مع ذلك هذه المرة عامل التحول ليس فيروساً بل تكنولوجيا تزداد قدرتها على أن تحلّ محلّ الموظفين بشكل كامل.
قُدّم المقال بطريقة محببة للقارئ، مثل كل النصوص التي يساعد في إنشائها الذكاء الاصطناعي، تفسيراً لما اعتقده الناس، الذين يدفعون باتجاه تطوير الذكاء الاصطناعي، لفترة من الزمن. يمكنك سماع قصة مماثلة من الرئيس التنفيذي البشري داريو أموداي خلال مقابلتي معه على النشرة الصوتية (البودكاست) الخاصة بي خلال الأسبوع الماضي، وهو أن الذكاء الاصطناعي في الطريق نحو تحقيق نتائج مثالية كما هو مأمول من علاجات مذهلة، ونمو يفوق أحلامنا، ربما يتسبب في فقدان الكثير من الناس لوظائفهم خلال وقت قصير جداً. تخيل آثار التحول إلى التشغيل الذاتي والتعهيد على العمال الذين يمارسون مهناً يدوية باستثناء تلك التي تلحق بالمهنيين وتنضغط في بضع سنوات مؤلمة.
يحتاج الناس إلى فهم الجزء الصحيح من هذا الجدال، وهو أنه من المستحيل النظر إلى ما لدينا حالياً من نماذج الذكاء الاصطناعي، ناهيك عن تلك التي ربما نحصل عليها في غضون ستة أشهر أو عام، والقول إن تلك الوسائل والأدوات التكنولوجية لا تستطيع أن تحلّ محلّ الكثير من الوظائف والأعمال التي يقوم بها البشر في النهاية. السؤال هو هل من يوجدون داخل دائرة الذكاء الاصطناعي محقون بشأن السرعة التي يمكن أن يحدث بها هذا؟ ثم هل سوف يؤدي ذلك إلى تغير جوهري في توظيف البشر لا مجرد تعديل بنيوي فحسب؟
هناك عائق أمام السرعة الفائقة، وهو أن المجتمع البشري يشبه عنق زجاجة معقّداً لا بد حتى لأكثر الابتكارات تعظيماً للكفاءة المرور من خلاله. وطالما أن الكفاءة التي يقدمها الذكاء الاصطناعي تتم عبر عاملين من البشر، سوف تكون هناك بدايات زائفة وتكيفات خاطئة وأزقة مسدودة تجعل عمليات تسريح العمال والموظفين الاستباقية تصرفات رعناء أو غير حكيمة.
حتى إذا كانت عمليات الرفت منطقية كفرضية قيمة خالصة، تتجلى من خلال التوظيف في اقتصاد متقدم مجموعة معقّدة من العلاقات التعاقدية والاجتماعية والقانونية والبيروقراطية، لا مجرد معادلة بسيطة لزيادة الإنتاجية إلى الحد الأقصى. لذا ربما تؤجل الكثير من الشركات أي عملية إحلال للعاملين بشكل شامل لأسباب أخلاقية داخلية أو أسباب سياسية خارجية أو قواعد تتعلق بالاتحادات العمالية، وتتكيف مع القدرات الجديدة للذكاء الاصطناعي من خلال الحد من عمليات التوظيف واللجوء إلى التناقص الطبيعي للموظفين.
أظن أن يقلل الخبراء في مجال الذكاء الاصطناعي تقدير قيمة تلك الاحتكاكات والخلافات، كما يقللون من شأن إمكانية إبطاء تلك العراقيل البنيوية لعملية تبني أي علاج أو تكنولوجيا ربما تكتشفها نماذجهم. وربما يتضمن ويستلزم ذلك فترة تكيف أطول للشركات والحكومات والبشر.
بعدما يحدث هذا التكيف، وتُدمج أدوات وعناصر الذكاء الاصطناعي بعمق داخل مكان العمل، هناك سببان يدعوان إلى الاعتقاد في استمرار أداء أكثر الناس لوظائف مربحة؛ الأول هو تاريخ التغير التكنولوجي بالكامل، حيث أثار كل ابتكار عظيم مخاوف من حدوث بطالة شاملة، وفي كل مرة كنا نجد طريقاً لوظائف جديدة ومتطلبات جديدة للعمالة البشرية لم يكن أحدٌ يتصورها من قبل.
السبب الثاني هو حقيقة حب البشر للمسة البشرية الإنسانية حتى في المواقف التي يمكننا فيها بالفعل الاعتماد على التشغيل الذاتي الآلي. لدى الخبير الاقتصادي آدم أوزيمك مجموعة جيدة من الأمثلة منها عدم حلّ البيانو الآلي محل عازفي البيانو، وعدم تسبب وجود الدفع الذاتي في الاستغناء عن موظفي تسلم المدفوعات من العملاء، وكذلك لا يزال هناك ملايين النُدل يعملون في الولايات المتحدة لأن تجربة مطعم يعتمد على التشغيل الذاتي تبدو غير إنسانية.
مع ذلك ها قد وصلنا إلى الأمر المحوري المهم في مسألة الذكاء الاصطناعي، وهو أنه أكثر شبهاً بالطابع البشري مقارنة بأي تطور تكنولوجي سابق. إنه بطبيعته يحاكي البشر على نحو لم تفعله آلات النسيج التي تعمل بالطاقة ومصانع الصلب وبرنامج «باور بوينت». وعليه فالسؤال الذي لم ترد إجابة عليه بعد، الذي يظهر في كل تلك السيناريوهات، هو إلى أي مدى تشكل هذه المحاكاة قدرتها على أن تحلّ محلّ العمالة البشرية ومدى استعدادنا لقبول هذا الأمر.
يمكن القول إنه من السهل افتراض أن الناس سوف يفضلون دائماً النُدل والموسيقيين البشر، وأن يشخص لهم طبيب من البشر مرضهم، إلا إذا دخلنا عالماً يزداد فيه اعتياد الناس على التعاملات مع أشباه البشر، وتكييف إنسانيتهم على النسخة المحاكية للبشر، وتفضيلهم لهذا على الواقع البشري الذي يتكون من لحم ودم ويتسم بقدر أكبر من الفوضى.
في وادي السيليكون، وهو عالم غير بارع اجتماعياً بشكل ما، يركز الجانب الأكبر من النقاش الخاص بالسيطرة المحتملة للذكاء الاصطناعي على إمكانية أن يحلّ الذكاء الرقمي محلّ ذكائنا. ربما لا يكون العامل الأهم هو الذكاء الخام المجرد، بل الشخصيات الاجتماعية التي يعمل من خلالها الذكاء الاجتماعي، ودون الدخول في نقاش بشأن ما إذا كان الذكاء الاصطناعي قادراً على أن يكون واعياً حقاً أم لا، إلى أي مدى يتفاعل الناس مع عناصر الذكاء الاصطناعي وكأنها كائنات واعية مثلنا.
وكلما فعلوا ذلك، ازدادت الآثار على العمل والتوظيف عمقاً. وأيضاً ازداد عمق التأثير على الأسئلة الأكبر بشأن القوة البشرية والوسيلة، التي من المرجح أن نتخلى عنها، مع عواقب وجودية محتملة، لصالح ذكاء اصطناعي لا نتعامل معه بوصفه أداة بل باعتباره صديقاً.
*خدمة «نيويورك تايمز»