حين صعدت إلى إحدى عربات القطار المتجهة إلى سمرقند، كانت عقارب الساعة تشير إلى وقت مقارب لبزوغ أشعة صباح يوم جديد. كانت درجة الحرارة صفريه أو ربما ما دون، فالبرد كان قارسا وفصل الشتاء في بداياته حينها. ولما أهتم بذلك؟ فجسمي النحيل مقارنة بمن حولي من أناس هم في الغالب من الطاجيك أو أحفاد تيمورلنك، ظل مقاوما حتى انطلق بنا ذلك القطار الجميل من طشقند ليخترق السهول والجبال والمراعي الخضراء التي تسلب بجمالها وطبيعتها الخلابة عقلك وتذهب به إلى خيالات واسعة.
كنت أنظر من حين إلى آخر من النافذة المجاورة لمقعدي لأستمتع بأجواء تلك الرحلة، فرأيت ثمة معركة جميلة مع الحياة، فالجميع ذاهب إلى حيث عمله. كان كل ذلك أراه على جنبات الطريق الإسفلتي المجاور لخط السكة الحديد، وبرغم زخات الرذاذ والبرودة الشديدة، كانت تلك الأجسام تتحرك بعنفوان مرتدية ثيابا وأكماما شتوية.
وفي تلك الأثناء، ظهر لي أحد القرويين وهو يمتطي جوادا ويقود قطيعا من الماشية على ضفاف نهر صغير، شعرت حينها وهو يمشي بعزة وشموخ في ذلك الصقيع كأنه يقود
جيشا جرارا من المغول أو التتار!
مرت ساعتان وأنا في حلم وخيال وواقع كان فيه القطار سريعا ليقطع قرابة الخمسمائة كيلو متر هي المسافة الفاصلة بين نقطة انطلاقي العاصمة طشقند ومدينة السحر والعلم والحضارة والتاريخ التليد سمرقند. لم أشعر بشيء، كنت أعيش مع مشاهد شريط ما ينتظرنا بسمرقند. كنت أرى كيف كانت الفتوحات الإسلامية لهذه البلاد، كان الإمام البخاري وغيره من الرواة الذين عاشوا جزءا من حياتهم في هذه البقعة من الأرض وماتوا فيها كان حاضرا أمامي، كان مشهد المغول وما فعلوه بهذه المدينة حاضرا أمامي أيضا، كانت قصور تيمورلنك ومآذن عصر النهضة الإسلامية هي الأخرى تقف أمام أعيني. وحتى ما فعله الروس في الحقبة الزمنية الأخيرة من المد الشوعي السوفيتي وكيف ظلت سمرقند صامدة بكل تراثها رغم ما عصف بها على مر العصور.
كنت أعيش كل ذلك لحظتها، في حين كانت عجلات القطار تقترب من محطتها، ولم أفُقْ من ذلك المشهد المثير سوى حين رأيت أمامي وجه حسن يحمل ملامح بخارية ربما، فعرفت أنها إحدى مضيفات القطار وهي تخبرني وتقول لي: "لقد وصلنا المحطة، أهلا بك في سمرقند".