حين تتحول السياسة إلى سباق على الحقائب، وتتصدر نشرات الأخبار قوائم الإعاشة الدولارية، والبدلات، والنثريات، ومقرات الإقامة، بينما يغيب عن المشهد رغيف خبز المواطن، وسعر الدواء، وكلفة الكهرباء، ورواتب المعلمين، وتغلق كليات تأهيل المعلمين العريقة معظم تخصصاتها، وتتحول مهنة التعليم إلى تعاقدات إرضائية لغير مؤهلين برواتب تقل عن قيمة الخبز… فاعلم أننا لم نعد أمام حكومة لأجل الشعب، بل أمام شعب يُستدعى كلما احتاجت الحكومة إلى غطاء.
حين يصبح السؤال: من نال الوزارة؟ لا: ماذا ستفعل الوزارة؟
حين يُقاس النجاح بعدد الاجتماعات والصور والتصريحات، لا بعدد المدارس التي فُتحت، ولا المستشفيات التي أُعيد تشغيلها، ولا فرص العمل التي وُجدت…
حين تُختزل الدولة في حماية الامتيازات، لا في خدمة الناس…
فهنا يبدأ الانفصال الصامت بين السلطة والمجتمع.
الدستور لم يُكتب ليبقى حبرا على ورق.
المادة (4) واضحة لا تحتمل التأويل: "الشعب هو مصدر السلطات والسيادة، ويمارسها عبر المؤسسات المنتخبة…".
فأين المؤسسات المنتخبة؟
وأين البرلمان الذي يُفترض أن تُعرض عليه البرامج وتُناقش السياسات وتُسائل الحكومة؟
والمادة (86) أكثر وضوحا: أي حكومة لا تقدم برنامجها إلى مجلس النواب خلال خمسةٍ وعشرين يوما لنيل الثقة، تكون فاقدة للشرعية وقراراتها منعدمة.
ليس هذا رأيا سياسيا، بل نصا دستوريا صريحا.
فإذا غاب البرلمان، وغابت المجالس المحلية، وغاب البرنامج، وغابت المساءلة… فما الذي بقي من فكرة "الحكومة لأجل الشعب"؟
الأخطر أن الفراغ الداخلي لا يبقى فراغا؛ يملؤه الخارج.
وحين يصبح البقاء في المنصب مرتبطا برضا الخارج لا بثقة الداخل، تتبدل الأولويات.
تُراعى المصالح حيث يوجد الدعم، لا حيث يوجد الألم.
وهنا نصل إلى السؤال الحقيقي:
هل نحن أمام حكومة تحكم باسم الشعب، أم باسم داعميها؟
هل القرار يصنعه صوت المواطن، أم حسابات العلاقات؟
هل تُدار الدولة من أجل استعادة مؤسساتها، أم فقط لإدارة الأزمة وإطالة عمرها؟
الشعب اليوم لا يريد معجزات.
يريد أمورا واضحة وبسيطة:
برلمانا يعود.
مجالس محلية تُنتخب.
نفطا وغازا يُصدَّر بشفافية.
رواتب تكفي الحد الأدنى من الحياة.
وتعليما يُحفظ كرسالة، ومعلّما يُكرَّم كصانع أجيال لا كمتعاقد مؤقت.
لا أمن بلا شرعية.
ولا شرعية بلا تمثيل.
ولا تمثيل بلا انتخابات ومساءلة.
وأي معادلة تتجاوز هذه الحقائق ليست حلا، بل تأجيلٌ للأزمة.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس فقط ارتفاع الأسعار أو تدهور العملة، بل اعتياد الناس على غياب الدولة.
حين يقتنع المواطن أن صوته لا يغير شيئا، وأن البرلمان مجرد ذكرى، وأن النصوص الدستورية بلا أثر في الواقع… هنا يبدأ الانهيار الحقيقي.
السؤال إذاً ليس للجدل، بل للمصارحة:
هل نريد حكومة لأجل الشعب؟
أم نكتفي بشعب يُستدعى عند الحاجة؟
أم نقبل أن تكون الحكومة والشعب معا جزءا من معادلة تُدار أولا لحساب الخارج؟
الجواب لن تصنعه التصريحات،
بل عودة المؤسسات،
واستعادة الإرادة الشعبية،
واحترام الدستور قولا وفعلا.
وحتى يحدث ذلك، سيبقى السؤال قائما…
وسيبقى الشعب ينتظر دولة تشبهه وتمثله، لا سلطة تعلو عليه.