آخر تحديث :الجمعة-20 فبراير 2026-12:42ص

بين يدي عودة الحكومة الى العاصمة عدن واجتماعها الأول

الخميس - 19 فبراير 2026 - الساعة 02:54 م
علي حسين عشال

بقلم: علي حسين عشال
- ارشيف الكاتب


تبقى أعلام الدول، وشعاراتها، وأناشيدها الوطنية أكثر من مجرد ألوانٍ وألحانٍ وصور؛ إنها خلاصة السيادة، وعنوان الدولة، وصوتها أمام شعبها وأمام العالم.

العلم الذي يُرفع فوق المباني الرسمية ليس قطعة قماش، بل إعلانٌ يوميٌّ بأن لهذه الأرض دولةً قائمة، لها كيانها وحدودها وإرادتها المستقلة. والشعار الممهور على الوثائق ليس زخرفةً شكلية، بل ختم السيادة الذي يمنح الشرعية والاعتراف. أما النشيد الوطني فليس كلماتٍ تُردَّد في المناسبات، بل تعبيرٌ عن الذاكرة الجماعية والكرامة الوطنية.

إن العبث بهذه الرموز — أو التهاون في احترامها — لا يمكن اعتباره خطأً بروتوكوليًا عابرًا، بل هو مساسٌ بجوهر الدولة ذاتها. فهذه الرموز محمية بالقانون، ومصونة بالدستور، لأنها تمثل الإرادة العامة للشعب، لا إرادة أشخاص أو مسؤولين.

ومن هنا، فإن المسؤول الذي أقسم اليمين على احترام الدستور والقانون لا يملك رفاهية التعامل مع رموز الدولة باستخفاف أو إهمال. فالقسم الدستوري ليس عبارةً تُقال في مراسم رسمية، بل التزامٌ أخلاقي وقانوني يحمله صاحبه أمام الشعب والتاريخ.

وحين يتحول المنصب العام من تكليفٍ إلى غنيمة، ومن مسؤوليةٍ إلى امتياز، تنشأ حالةٌ شاذة في بنية الدولة؛ حالة يمكن وصفها بـ«الفصام السياسي النكد»، حيث يتشبث بعض رجالها بكراسيها، ويتمسكون بألقابها ومزاياها، وفي الوقت ذاته يمدون أيديهم إلى ركائزها ليقوضوها من الداخل.

أيُّ تناقضٍ هذا الذي يجعل المرء حريصًا على الانتساب إلى الدولة، مستميتًا في الدفاع عن صلاحيات منصبه، ثم لا يتورع عن إضعاف مظاهر سيادتها أو الانتقاص من رموزها؟ كيف يُطلب الاحترام لمنصبٍ يُفرَّغ من معناه، وتُستباح هيبته بسلوكٍ عبثي أو خطابٍ متهاون؟

إن الدولة ليست سلّمًا للصعود الشخصي، ولا مظلةً للامتيازات الخاصة. إنها منظومة قيمٍ وقوانين، ورموزٌ تعبّر عن سيادةٍ ينبغي صونها. ومن يقبل أن يكون جزءًا من هذه المنظومة، فإن أول واجباته أن يحميها لا أن يعبث بها، وأن يعزز هيبتها لا أن يضعفها.

الفصام النكد الذي يجعل المسؤول يجمع بين الامتياز والهدم في آنٍ واحد، لا يمكن تبريره بالخطأ العابر أو الاجتهاد الخاطئ؛ بل هو خللٌ في الوعي بمعنى الدولة ذاته. فإما أن تكون جزءًا من مشروع البناء، أو أن تتحمل تبعات الاصطفاف في صف التآكل. أما الجمع بين الغنيمة والهدم، فهو عبثٌ لا ينبغي السكوت عليه، ولا التهاون معه.

إن الصمت على هذا التناقض يراكم ثقافة الإفلات من المسؤولية، ويُطبِّع الانحدار كأمرٍ اعتيادي. والدول لا تنهار فجأة، بل تتآكل حين يُسمح لمظاهر العبث أن تمر بلا مساءلة، وحين يُغض الطرف عن ازدواجيةٍ تُفرغ المنصب من شرفه، والدولة من هيبتها.

إن احترام الدولة يبدأ باحترام معناها. ومن أراد امتيازاتها، فليتحمل أعباءها. ومن أقسم على خدمتها، فليكن أول المدافعين عن سيادتها. أما أن تُطلب المزايا، وتُرفع المعاول في الوقت ذاته، فذلك مشهدٌ سياسي مأزوم، لا يليق بدولةٍ تسعى للبقاء، ولا بشعبٍ يتطلع إلى استعادة هيبتها.

إن احترام مظاهر السيادة ليس ترفًا بروتوكوليًا، بل هو واجبٌ سياسي وقانوني وأخلاقي. فحين تتهاون السلطة في حماية الرموز، فإنها تضعف ثقة المواطنين بمؤسساتها، وتفتح الباب أمام مزيد من الانفلات الرمزي الذي قد يتحول إلى انفلاتٍ أعمق في بنية الدولة نفسها.

الدولة لا تُختزل في أشخاص، ولا تُدار بروح الارتجال. وهيبتها لا تُصان بالشعارات، بل بالممارسة الدقيقة لاحترام الدستور والقانون، بدءًا من أبسط الرموز.

لذلك، فإن هذه المهازل يجب أن تتوقف.

لا دفاعًا عن صورةٍ أو بروتوكول، بل دفاعًا عن فكرة الدولة ذاتها، وعن ما تبقى من إرثها القانوني والرمزي. فصيانة الرموز ليست شكلًا من أشكال التعصب، بل هي تعبيرٌ عن وعيٍ بأن الدول التي تفقد احترام رموزها تبدأ بفقدان احترامها لنفسها.

وما بين العلم المرفوع، والشعار الممهور، والنشيد المعزوف، تقف سيادة الدولة شامخةً — أو منكسرة — بقدر ما نحسن نحن صونها.

اللهم إني صائم،،،،