في اليمن، حيث لم تجف دموع الأمهات بعد، من المؤلم أن تأتي بعض المسلسلات لتتعامل مع السلاح كأنه إكسسوار يومي، ومع القتل كأنه تفصيل درامي عابر. ما يفترض أن يكون فنًا يداوي الجرح، يتحول أحيان إلى عملٍ يوسعه.
ليست المشكلة في عرض الواقع، بل في تمجيده. حين يُقدم المسلح باعتباره البطل الأوحد، صاحب الكلمة الفصل، وصانع العدالة بيده، فإن الرسالة واضحة : القوة في فوهة البندقية، والحسم في الزناد. وحين يختزل الشرف في الثأر، والرجولة في سرعة إطلاق النار، فنحن لا نشاهد دراما انما نحن نشاهد إعادة إنتاج لثقافة الخراب.
الأخطر أن هذه الأعمال لا تضع مسافة أخلاقية بينها وبين العنف. لا مساءلة، لا تفكيك، لا كشف لكلفة الدم. مجرد مشاهد اقتتال متكررة تُغلف بالموسيقى والإثارة، وكأن الدم مادة للفرجة. هكذا يتحول الألم الحقيقي إلى مشهد ترفيهي، ويتحول السلاح من أزمة وطن إلى رمز بطولة.
أي رسالة تُزرع في وعي شاب يرى البطل لا ينتصر إلا حين يقتل؟ أي صورة تُرسم لطفل يشاهد الخلاف لا يُحل إلا برصاصة؟
حين تُطبع الشاشة على هذا النحو، فهي لا تعكس المجتمع فقط، بل تسهم في تشكيله على صورة أكثر قسوة.
اليمن اليوم لا يحتاج إلى دراما تُعيد تدوير مشاهد الاقتتال، بل إلى أعمال تفضح عبثه. لا يحتاج إلى مسلسلات تُجمل السلاح، بل إلى نصوص تكشف أنه عبء لا وسام. استمرار هذا النهج ليس حيادًا فنيًا، بل انحياز صريح لثقافة العنف، حتى وإن جاء مغلفًا بشعار الواقعية.
الفن مسؤولية. ومن يختار أن يقدم الدم باعتباره بطولة، عليه أن يدرك أنه لا يصنع عملًا جريئًا بل يطبع مع الجرح.