آخر تحديث :الأربعاء-25 مارس 2026-12:35ص

اليمن: السيادة في المزاد الإقليمي

الجمعة - 20 فبراير 2026 - الساعة 12:36 ص
عوض عميران

بقلم: عوض عميران
- ارشيف الكاتب


في المشهد اليمني الراهن، لا تتحرك البيادق عشوائياً، بل ضمن هندسة دقيقة تُدار فيها الصراعات لتفتيت ما تبقى من مفهوم "الدولة". ما يشهده اليمن اليوم شمالاً و جنوبا وشرقا ليس حراكاً وطنياً خالصاً بقدر ما هو استثمار في الأزمات؛ حيث يُعاد تدوير السياقات التاريخية لتحويل الفاعل المحلي إلى "موظف" ينفذ أجندات إقليمية، في مقابل مكاسب فئوية ضيقة، مؤدياً بذلك دوراً وظيفياً يكرس التجزئة بدلاً من البناء.


تاريخياً، لم يكن "الدور الوظيفي" للداخل اليمني علامة قوة، بل كان دائماً ثغرة ينفذ منها الخراب. حين يتحول القائد المحلي إلى وسيط للأطماع الخارجية، فإنه يمنح الشرعية للاختراق مقابل ثمن بخس.


الاغتيال السياسي كخدمة مدفوعة: في عهد الرسوليين، لم يقتل أحمد بن حمزة الإمام المهدي بدافع مبدئي، بل كان "تنفيذاً لمهمة" ممولة من الملك المظفر، وهو ما يثبت أن المال السياسي كان دوماً المحرك الأول لزعزعة الاستقرار الداخلي.


الخيانة كجسر للعبور: تواطؤ المطهر بن أحمد شرف الدين مع المماليك ضد الطاهريين لم يكن تحالفاً سياسياً، بل كان "دوراً وظيفياً" أدى لقطع رأس الدولة الوطنية (عامر بن عبدالوهاب)


بيع الجغرافيا: يظل تسليم عدن للإنجليز عبر السلطان العبدلي نموذجاً صارخاً لكيفية مقايضة السيادة الترابية بالامتيازات الشخصية، وهو ما نراه يتكرر اليوم بصور وأسماء مختلفة.


ما يسمى اليوم بالتحركات السياسية والعسكرية، شمال اليمن ليس سوى امتداد لهذا الإرث المأزوم. فبينما يغرق البعض في تبعية الجوار، تبرز الحركة الحوثية كأخطر تجليات هذا الدور الوظيفي؛ حيث لم تكتفِ بالارتهان السياسي، بل حولت اليمن إلى "منصة استراتيجية" للمشروع الإيراني. إنها تمارس وظيفة "المقاول الأيديولوجي" الذي يضحي باستقرار البلاد ومستقبلها من أجل تعزيز أوراق طهران في صراعاتها الإقليمية، مما يجعل السيادة اليمنية ممزقة بين محاور تتصارع على أرضنا وبأيدينا.

في الجنوب والشرق، بعض القوى المحلية، مثل المجلس الانتقالي، لا تتحرك في فراغ سيادي، بل ضمن مخطط وظيفي واضح: تقويض الشرعية الوطنية واستخدام القوى المحلية كأدوات لإنهاك السلطة المركزية، ليس من أجل "التحرير" كما يُروج، بل لفتح المجال أمام نفوذ إقليمي يسيطر على الموانئ والجزر والمنافذ الحيوية.


التدخلات الإقليمية لا تسعى لإخماد النار، بل لإدارتها، و توفير التمويل والغطاء السياسي للفاعل المحلي، مقابل أن يظل هذا الفاعل "حارساً" لمصالحها، ومنفذاً لسياسات التفتيت التي تمنع قيام يمن قوي ومستقر.


لقد أنتج هذا التراكم التاريخي وعياً اجتماعياً وسياسياً مأزوماً، حيث أصبح البعض يرى في "الارتهان للخارج" شطارة سياسية، وفي "بيع الموقف" تكتيكاً للمرحلة. هذا ليس وعياً ناضجاً، بل هو تشوه في الانتماء الوطني، يجعل من الداخل اليمني ساحة مفتوحة لمن يدفع أكثر، ويحول الصراع من أجل الحقوق إلى صراع من أجل "الوكالة" الحصرية للقوى الخارجية.


إن ما يحدث اليوم في اليمن هو عملية "تعليب" للسيادة؛ حيث يُحشر الفاعلون المحليون في أدوار وظيفية مرسومة لهم بدقة في عواصم الجوار. النتيجة ليست استعادة حقوق أو بناء مستقبل، بل هي استنزاف للهوية الوطنية وتحويل الأرض إلى مسرح لتصفية حسابات إقليمية بأيدي يمنية.

اليمن اليوم، بهذه التبعية المقيتة، يفقد جوهره كفاعل تاريخي ويتحول إلى "منطقة نفوذ" يُقايض فيها المحلي تاريخه بمستقبل غامض، مكرراً خطايا الأجداد الذين فتحوا أبواب المدن للغزاة مقابل وعود زائفة وسلطة منقوصة.