آخر تحديث :السبت-21 مارس 2026-12:47ص

رمضان… إعادة ترتيب الروح

الجمعة - 20 فبراير 2026 - الساعة 04:58 ص
محمد العنبري

بقلم: محمد العنبري
- ارشيف الكاتب


ها هي المركبة الفضائية الإيمانية تحط رحالها على أرضنا الطيبة فتغمرها بنفحاتٍ من نور، وتوقظ في القلوب ما خبا من الشوق، وما فتر من العزم إنه شهر شاء الله له أن يكون موعدًا سنويًا بين الأرض والسماء، تتنزل فيه الرحمات، وتُفتح فيه أبواب المغفرة، ويشرق فيه الإيمان حتى يكاد يُرى في الوجوه قبل الكلمات.


في رمضان لا يكون الزمن زمنًا عاديًا بل يصبح لحظة عبورٍ روحيٍّ من ضيق المادة إلى سعة المعنى، ومن صخب الحياة إلى سكينة الطاعة تتصل الأرض بالسماء عبر كتابٍ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيلٌ من حكيمٍ عليم، هو القرآن الكريم، الذي جعله الله هدىً للناس وبيِّناتٍ من الهدى والفرقان فيتجدد

العهد مع الوحي، ويستعيد القلب بوصلته، ويعرف الإنسان موقعه الحقيقي بين تكليف السماء ومسؤولية الأرض.


وقد فرض الله الصيام على الأمم كافة ليبقى هذا الركن التعبدي شاهدًا على وحدة المصدر، ووحدة الغاية، وإن اختلفت الشرائع في صورها وأشكالها يقول تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كُتب عليكم الصيام كما كُتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾، فابتدأ النداء بوصف الإيمان، وكأن في ذلك تكريمًا وتشريفًا قبل أن يكون تكليفًا إنّه نداء محبةٍ قبل أن يكون أمرًا، ونداء رِفقٍ قبل أن يكون مشقة، وفيه من الأنس ما يهوّن التعب، ومن اللطف ما يبدد رهبة التكليف.


وحين نقول: "يا أيها الذين آمنوا"، فإننا نُستدعى إلى مقام العهد، إلى ذلك الاتفاق الإيماني الذي عقدناه مع الله طواعيةً ومحبة، لا إكراهًا ولا مجاملة إنه عقدٌ سماويٌّ لا تُقاس قيمته بأحبار الأرض ولا بأوراقها، بل يُقاس بصدق القلوب، واستقامة الجوارح، وحسن الامتثال. فالصيام ليس امتناعًا عن طعامٍ وشرابٍ فحسب، بل هو ارتقاءٌ بالنفس، وتربيةٌ للإرادة، وكبحٌ للشهوة، وتزكيةٌ للسريرة.


الغاية من العبادات كلها أن تبلغ بالإنسان درجة التقوى؛ تلك الرقابة الداخلية التي تجعله يستحي من الله في سره كما يستحي في علنه، وتجعله يختار الخير ولو خلا بنف

سه، ويجتنب الشر ولو أمن العقوبة. الصيام مدرسةٌ عملية لهذا المعنى؛ إذ يترك المؤمن شهوته المباحة لا لشيءٍ إلا لأن الله أمره بذلك، فيتربى على أن يكون أمر الله فوق رغباته، ورضاه فوق عاداته.


وإذا كان رمضان شهرًا يغسل الداخل من علله وينظف القلب من أدرانه، فإن الأمل كل الأمل أن يبقى هذا الصفاء بعد انقضائه فليس المقصود أن نكون ملائكةً شهرًا، ثم نعود كما كنا، بل أن يكون رمضان نقطة تحوّل، ومنعطف حياة، وبداية طريقٍ أطول مع الله فإذا استمر الدرس، ودام الأثر، صفت الحياة، وخفّت الفتن، وغاب الحقد، وساد العدل، وأشرق في الناس نور الطاعة كما أشرق في أيام رمضان.


حينها فقط ندرك أن هذه المركبة الإيمانية لم تهبط لتزورنا عابرًا، بل لتعيد ترتيب أرواحنا، وتذكّرنا بأننا خُلقنا للسمو، وأن الأرض، مهما ضاقت، تتسع لمن حمل في قلبه نور السماء.