آخر تحديث :السبت-21 فبراير 2026-12:47ص

بعد أحد عشر عاما… كلفة الحرب أم كلفة التسوية؟

الجمعة - 20 فبراير 2026 - الساعة 04:31 م
د. أحمد بن اسحاق

بقلم: د. أحمد بن اسحاق
- ارشيف الكاتب


في اللحظة التي تسلّم فيها أعضاء حكومة الزنداني ملفات وزاراتهم المثقلة بالعجز والالتزامات، أمام خزينة شبه فارغة وأعين تتطلع إلى ما قد يستطيع فلاح الشهراني توفيره لتغطية الحد الأدنى من الرواتب والخدمات، يفرض سؤال ثقيل نفسه: ماذا فعلنا خلال أحد عشر عاما سوى إدارة العجز؟ منذ انطلاق عملية عاصفة الحزم والهدف المعلن كان إنهاء الانقلاب واستعادة الدولة. اليوم، الدولة لم تستعد كامل سيادتها، والانقلاب لم يُنهَ، والاقتصاد يتآكل، والمجتمع يُستنزف. فماذا تحقق فعليا؟


الحرب كانت قرارا سياسيا. استمرارها أحد عشر عاما لم يعد قرارا، بل أصبح عجزا عن اتخاذ قرار. بين الاثنين فرق شاسع. القرار يُراجع ويُصحح. أما العجز فيُبرر ويُعاد إنتاجه بالشعارات ذاتها. الخطورة ليست في الخطأ الأول، بل في الإصرار على المسار نفسه رغم وضوح نتائجه.


لنكن صريحين: لا أحد انتصر. لا السلطة استطاعت إعادة الدولة كما وعدت، ولا خصومها استطاعوا بناء نموذج حكم مستقر ومعترف به. وبين هذا وذاك، دفع المجتمع الثمن كاملا. جيلٌ كامل كبر في ظل اقتصاد مشلول، وظائف نادرة، عملة متهاوية، وخطاب سياسي يكرر نفسه منذ عقد. شباب يفكرون في الهجرة أكثر مما يفكرون في الاستثمار في وطنهم. أسر تخطط لتغطية وجبة يومها، لا لبناء مستقبل أبنائها. فجوة تنموية تتسع بين اليمن ومحيطه الذي يمضي في مشاريع طاقة وبنية تحتية وتحول رقمي، بينما لا يزال نقاشنا يدور حول الحد الأدنى من الرواتب.


الأخطر أن استمرار الحرب لم يعد يُناقش باعتباره خيارا، بل يُعامل كأنه قدر. كأن البديل الوحيد عن القبول بالواقع هو الفوضى. هذه معادلة زائفة. الحقيقة أن استمرار الوضع الراهن هو الفوضى المؤجلة.


السؤال الذي يهرب منه الجميع: ما هي كلفة عشر سنوات إضافية من هذا الوضع؟ كم سيبلغ سعر العملة؟ كم مؤسسة ستنهار؟ كم جامعة ستفقد كوادرها؟ كم مشروع استثماري سيتجه إلى دول أخرى؟ وكم ستتضاعف كلفة إعادة الإعمار حين نكتشف أننا أضعنا عقدين لا عقدا واحدا؟

وفي المقابل، لماذا يُصوَّر الحديث عن تسوية سياسية كأنه استسلام؟ أي تسوية لن تكون مثالية، نعم. ستتضمن تنازلات مؤلمة، نعم. لكنها، مهما كانت صعبة، تظل أقل كلفة من حرب بلا أفق. الدول لا تُدار بمنطق "إما كل شيء أو لا شيء"، بل بمنطق "ما الذي ينقذ ما يمكن إنقاذه الآن؟".


من الخطأ الفادح أن يُختزل المشهد في جولات تفاوض شكلية أو تبادل أسرى فقط. هذه ملفات إنسانية مهمة، لكنها لا تعيد تشغيل اقتصاد ولا توحّد مؤسسة ولا تثبّت عملة. جوهر الأزمة اقتصادي وسيادي بقدر ما هو سياسي. تعطّل تصدير النفط والغاز ليس امرا فنيا، بل شريان حياة مقطوع. استمرار تعطيله قرار غير معلن بتمديد الأزمة.


المسؤولية اليوم جماعية. شمالا وجنوبا، سلطة ومعارضة، لا أحد يستطيع الادعاء بالبراءة. تعليق الإخفاق على الخارج لم يعد مقنعا. الخارج قد يتدخل، قد يضغط، قد يضمن، لكنه لن يبني دولة نيابة عنا. الإرادة السياسية لا تُستورد.


في بداية الحرب قال المفكر السياسي المرحوم أ.د. صالح باصره: "الحرب لا يخرج منها منتصر، وعلينا أن نتحاور قبل أن نتحارب، لا أن نتحارب ثم نتحاور." بعد أحد عشر عاما، تبدو هذه الكلمات أقرب إلى وصف دقيق لما حدث. تحاربنا ثم جلسنا نبحث عن حوار، لكن بعد أن تضاعفت الخسائر.


اليوم، لسنا أمام خيار بين نصر وهزيمة، بل بين استمرار الاستنزاف أو إيقافه. الاستمرار لا يحتاج شجاعة؛ يحتاج فقط إلى صمت وتكرار الخطاب ذاته. أما إيقاف النزيف فيحتاج قرارا صريحا: مراجعة شاملة، إعادة ترتيب أولويات، وضع الاقتصاد في المقدمة، والقبول بأن الحل السياسي ليس منّة من أحد بل ضرورة وطنية.


اليمن لا يحتمل عقدا ثانيا من الدوران في نفس المكان. كل سنة إضافية تعني فجوة أكبر مع العالم، وعبئا أثقل على الأجيال القادمة. السؤال لم يعد من يرفع سقف الخطاب، بل من يملك شجاعة خفض الكلفة.


كلفة الحرب واضحة لأنها تُدفع يوميا في معيشة الناس ومستقبل أبنائهم. كلفة التسوية واضحة أيضا: ثمن سياسي مقابل وقف نزيف شامل. الفرق أن الأولى نؤجل الاعتراف بها، والثانية نخشى إعلانها.


بعد أحد عشر عاما، لم يعد مقبولا الهروب من السؤال.

فأي الكلفتين نختار… وأي تاريخ نريد أن يُكتب عنا؟