في ظل التوترات السياسية والضغوط المعيشية المتراكمة، تتصاعد أحيانًا دعوات غاضبة تدفع باتجاه خطوات غير محسوبة، من بينها محاولة اقتحام قصر معاشيق في عدن. ورغم تفهم حجم الاحتقان الشعبي، فإن مثل هذه الدعوات تظل تصرفًا غير عقلاني وغير مسؤول، ولا تخدم لا الاستقرار ولا القضية الجنوبية التي يرفعها كثيرون كشعار ومطلب.
عدن ليست مجرد مدينة عادية في السياق السياسي الراهن؛ فهي العاصمة المؤقتة ومركز القرار التنفيذي. وأي مساس بمؤسساتها ينعكس مباشرة على صورة الجنوب سياسيًا وأمنيًا، ويضعف موقفه أمام الداخل والخارج. فالقضايا العادلة لا تُقاس بحدة الغضب، بل بقدرة أصحابها على إدارة خلافاتهم ضمن أطر سلمية تحافظ على هيبة المؤسسات وتمنع الانزلاق نحو الفوضى.
الاحتجاج حق مكفول، بل هو وسيلة ضغط مشروعة حين تُغلق الأبواب الأخرى. لكن الفرق كبير بين احتجاج سلمي منظم يحمل رسالة واضحة، وبين تحركات تخرج عن إطار القانون وتفتح الباب لمواجهات لا يمكن التنبؤ بنتائجها.
التجارب القريبة في اليمن أثبتت أن الفوضى لا تُنتج حلولًا، بل تخلق أزمات جديدة وتعقد المشهد أكثر.
القضية الجنوبية، بما تحمله من أبعاد سياسية وتاريخية، تحتاج إلى خطاب مسؤول وسلوك منضبط يعكس نضجًا سياسيًا، لا إلى خطوات انفعالية قد تُستغل للإساءة إليها أو تشويه صورتها. فالمطالب المشروعة تُضعف حين تُربط بمظاهر اقتحام أو اعتداء على مؤسسات الدولة، مهما كانت المبررات.
إن الحفاظ على استقرار عدن مسؤولية جماعية، كما أن الضغط من أجل الإصلاح مسؤولية سياسية وأخلاقية. وبين الحق في الاعتراض وواجب حماية السلم العام مساحة ينبغي أن تُدار بعقل وحكمة. فالجنوب لا يحتاج إلى معارك جانبية جديدة، بل إلى وعي يحفظ مكتسباته ويعزز موقعه في أي مسار سياسي قادم.