لم يعد المواطن اليوم يبحث عن شعارات براقة أو خطابات عاطفية ترفع في الساحات والمنابر، بل يتطلع إلى وطن حقيقي تتجسد فيه معاني الأمن والاستقرار وتتوفر فيه مقومات الحياة الكريمة، فالوطن في وجدان المواطن هو المكان الذي يشعر فيه بالأمان على نفسه وأسرته، وتتوفر فيه الخدمات الأساسية من كهرباء ومياه وتعليم وصحة، وتصرف فيه الرواتب بانتظام وبما يضمن حياة كريمة بعيدة عن الحاجة والمهانة.
لقد مر المواطن بسنوات عصيبة أنهكته اقتصادياً ونفسياً، سنوات غابت فيها الأولويات الحقيقية للدولة، وحضرت فيها الشعارات على حساب الخدمات، وغلبت فيها المصالح الضيقة على المصلحة العامة، في تلك المرحلة، أُقصي الكفاءات، وتقدم غير المؤهلين، وتكرست ممارسات أضعفت مؤسسات الدولة وأرهقت المواطن الذي وجد نفسه يدفع ثمن صراعات لا ناقة له فيها ولا جمل.
واليوم، يحاول بعض المستفيدين من اختلالات الماضي إعادة إنتاج ذات الخطاب، رافعين شعارات عامة لا تلامس احتياجات الناس اليومية، ومحركين الشارع بدوافع لا تخفى على أحد، غير أن المواطن الذي عانى من انقطاع الرواتب، وتدهور الخدمات، وتراكم الأعباء المعيشية، بات أكثر وعياً وقدرة على التمييز بين من يعمل من أجل استقراره، ومن يسعى لاستغلال معاناته لتحقيق مكاسب خاصة.
إن المواطن سيقف مع الدولة التي تضع احتياجاته في صدارة أولوياتها، وتعمل بجدية على ترسيخ الأمن، وتحسين الخدمات، وضمان انتظام الرواتب، وإدارة الموارد بعدالة وشفافية، فالحياة قصيرة، ولا تستحق أن تهدر في صراعات عبثية أو شعارات فارغة، بينما يمكن أن تعاش بكرامة في ظل دولة تحترم مواطنيها وتصون حقوقهم.
فالدولة القوية ليست بكثرة الشعارات، بل بقدرتها على خدمة مواطنيها، وتحقيق العدالة، وبناء مؤسسات تعمل بكفاءة ومسؤولية. وهذا هو الوطن الذي يستحقه المواطن، وهذا هو الطريق نحو الاستقرار والتنمية.
د. غسان ناصر عبادي