آخر تحديث :الأحد-22 فبراير 2026-01:18ص

قوى النفوذ والهيمنة .. والتجربة الديمقراطية في اليمن ..!!

السبت - 21 فبراير 2026 - الساعة 05:58 م
إبراهيم ناصر الجرفي

بقلم: إبراهيم ناصر الجرفي
- ارشيف الكاتب


إن ما يحدث اليوم في اليمن بشكل عام من صراعات وحروب وانقسامات وتدخلات خارجية وانهيار اقتصادي وفشل تعليمي وفساد مالي وإداري وتراجع حضاري ، هو الوضع الطبيعي لمجتمع يعاني الكثير من السلبيات في مختلف المجالات ، مجتمع لم يستفد من الفرص المتعددة التي سنحت له والتي كان بالإمكان استغلالها للتغيير نحو الأفضل ، ولتحقيق المزيد من المكاسب السياسية والتنموية والحضارية ، والانطلاق نحو مساحات واسعة من الحرية والديمقراطية والعدالة والمساواة والبناء والتنمية ، وكان ولا يزال وسيظل لقوى النفوذ بمختلف أنواعها ( الدينية والقبلية والمذهبية والطائفية ...الخ ) الدور الأكبر في إفشال واحباط كل المساعي الهادفة إلى خدمة المجتمع اليمني وتطوره وتقدمه ، لأن مصالح هذه القوى واستمرارية نفوذها وهيمنتها يتعارض مع أي دعوات أو مبادرات أو مشاريع أو أفكار مدنية وقانونية وحضارية وتقدمية ، لذلك فهي لا تألوا جهدا في إفشالها أو تشويهها أو محاربتها أو شيطنتها ، وقد تلجأ إلى اختراقها أو السيطرة عليها ، فالمسألة بالنسبة لها مسألة وجود وبقاء ومصالح ونفوذ ، فلا مكان لها في دولة يحكمها النظام والقانون والمساواة والعدالة والحرية والديمقراطية ، وهذه خطوط حمراء لا يمكن أن تقبل بحضورها وتواجدها بأي حال من الاحوال ..!!


فعلى سبيل المثال بعد الوحدة اليمنية في عام 1990م تبني دستور الجمهورية اليمنية النظرية الديمقراطية التعددية كوسيلة للتداول السلمي للسلطة ، وبموجب ذلك تم إنشاء الاحزاب السياسية بمختلف توجهاتها ، فرأت قوى النفوذ في ذلك خطر كبير عليها قد يسحب البساط من تحت أقدامها ، فبادرة باحتواء الاحزاب السياسية والاستحواذ عليها وصولا إلى الاستفراد بقيادتها ، وعملت على تفريغها من محتواها وحرف مسارها والابتعاد بها عن برامجها واهدافها وغاياتها ، فإذا كانت الغاية من الاحزاب السياسية حسب النظرية الديمقراطية هي التنافس في خدمة الشعب ، فإن قوى النفوذ قد استغلتها كوسيلة لدعم نفوذها وتعزيز هيمنتها ، وجعلت منها أداة للمناكفات والابتزاز السياسي والسلطوي ، وجعلت من حرية الصحافة وسيلة لتشويه الخصوم والتشهير بهم ونشر الاشاعات وتضخيم سلبيات السلطة الحاكمة ، وقد تسبب كل ذلك في فشل الاحزاب السياسية اليمنية ، بسبب خروجها عن اهدافها وغاياتها ، حتى الانتخابات على كل المستويات المحلية والبرلمانية كانت مخرجاتها تصب بنسبة كبيرة لمصلحة قوى النفوذ ، حتى أن بعض الأسر النافذة حصدت العديد من مقاعد البرلمان ( أسرة الأحمر انموذجا ) ، في صورة تعكس مدى سطوتها على الجماهير الواقعة في مناطق نفوذها ، وتعكس ايضا حالة الجهل والتخلف المنتشر بين أفراد الشعب في تلك المناطق ، وكأن مناطق اليمن عبارة عن اقطاعيات تابعة ومملوكة لقوى النفوذ تلك ، وبدلاً من مواجهة وانتقاد قوى النفوذ تلك ، تم انتقاد النظام السياسي ، وبدلاً من المطالبة بكبح جماح قوى النفوذ تلك وتحجيم نفوذها والزامها باحترام النظام والقانون تم المطالبة باسقاط النظام السياسي الديمقراطي التعددي ( غباء سياسي غير مسبوق ) ، بل لقد وصل الحال بمن يسمون أنفسهم ثوار فبراير إلى جعل رموز النفوذ القبلي والعسكري ورموز الفساد والفوضى والعبث قادة لثورتهم المشؤومة تلك ( حاميها حراميها ) ..!!


وخلال التجربة الديمقراطية الوليدة في اليمن وصل الحال في بعض المناطق إلى ممارسة قوى النفوذ للتهديد والوعيد لكل من يقف أمامها أو يترشح ضد رموزها ، وهذه السياسة ليست بالجديدة بل إنها سياسة قديمة ، تستخدمها قوى النفوذ تلك في كل المراحل التاريخية فبعد الثورة اليمنية 26 سبتمبر 1962م ، وبمجرد البدء في تكوين قوات الجيش والأمن بادرت قوى النفوذ بتولي أعلى المناصب القيادية فيها كغنيمة حرب ، وحتى المناصب الادارية والمحلية الهامة في مختلف اجهزة الحكومة ظلت حكراً على رموزها أو التابعين والموالين لها ، بل لقد وصل الحال بأن الموظف اليمني كان لا يستطيع الحصول على درجة مدير عام وما فوق إلا بتزكية من رموز قوى النفوذ في منطقته ، وكان لجهل الشعب وتخلفه وخضوعه وتبعيته ودعمه وتعصبه لمراكز قوى النفوذ تلك في مختلف المناطق اليمنية الدور الأكبر في حدوث ذلك ..!!


ورغم استحواذ قوى النفوذ على كل شيء داخل اليمن ، ورغم هيمنتها وسيطرتها على الحكومة والسلطة والقرار والقوة والثروة ، إلا أنها كانت تشعر بالقلق في ظل استمرار التجربة الديمقراطية ، وفي ظل توسع وانتشار العملية التعليمية ، والتي قد تشجع المواطن اليمني مع مرور الأيام على التمرد عليها والخروج عن نطاق سيطرتها وهيمنتها ، فما كان منها إلا إعلان انقلابها على النظام السياسي الديمقراطي في فبراير 2011م ، من خلال الدفع بالمغرر بهم من الشباب وعناصر الاحزاب الواقعة تحت سيطرتها إلى الخروج للشوارع للمطالبة باسقاط النظام الديمقراطي التعددي ، وهو ما يظهر حالة الفشل والغفلة والغباء التي وصلت لها جماهير تلك الاحزاب ، وهذه هي النتيجة الطبيعية عندما تسلم الاحزاب السياسية قيادتها وقرارها لقوى النفوذ ، التي جعلت منها أداة لتصفية حساباتها مع خصومها ، وأداة لتحقيق اطماعها السلطوية حتى لو ترتب على ذلك اسقاط النظام الديمقراطي التعددي ، وادخال الوطن في دوامة الحروب والصراعات والازمات والانقسامات ..!!


وخلاصة القول لن ترى اليمن النور والاستقرار والتقدم والتطور واللحاق بركب الحضارة البشرية طالما وقوى النفوذ بمختلف انواعها هي من تتحكم في مصيرها وقرارها ، وما يثير الدهشة هو قدرة قوى النفوذ تلك في كل المراحل على التماهي مع كل الاوضاع واحتواء كل المتغيرات ، وتبديل الولاءات حسب المرحلة ، وحسب السلطة الحاكمة ، حتى لو جاءت قيادات تحلم بالتغيير والتصحيح ، سرعان ما تتلاشى احلامها وطموحاتها ، بعد أن تجد نفسها محاطة بنفس الوجوه ونفس القوى ونفس الاساليب ونفس السياسات ، فلا جدوى ولا فائدة من أي برامج حزبية أو مشاريع سياسية أوخطط تنموية او تقدمية ، إذا كان المنفذون والقائمون عليها ( قوى النفوذ ) لا يرغبون في نجاحها وتطبيقها على أرض الواقع كما يجب ..!!