لم يعد مسلسل “ملوك اليمن” عملاً درامياً عابراً في موسم رمضاني مزدحم، بل تحوّل إلى ساحة سجالٍ مفتوحة حول التاريخ والهوية ومن يملك حق السرد. العمل الذي تعرضه ، ويشرف عليه الإعلامي وسيم القرشي، دخل البيوت بوصفه مشروعاً لاستنهاض الماضي، لكنه خرج إلى الفضاء العام كقضية ثقافية تتجاوز الفن إلى سؤال الوعي.
منذ الحلقة الأولى، بدا واضحاً أن المسلسل لا يكتفي بإعادة تمثيل شخصيات مثل ذي نواس أو سيف بن ذي يزن، بل يعيد تشكيل صورتهم في المخيلة الشعبية. وهنا تكمن الحساسية: فالتاريخ اليمني القديم ليس أرضاً بلا شواهد، بل هو من أغنى مراحل الجزيرة العربية بالنقوش المسندية التي وثّقت أسماء الملوك، تحركاتهم، حروبهم وتحالفاتهم بدقةٍ لافتة.
بين النقش والرواية
جوهر الجدل لا يتعلق بالإنتاج أو الأداء الفني، بل بالمصادر.
هل اعتمد العمل على النقوش بوصفها وثائق معاصرة للحدث؟
أم استند بصورة أكبر إلى الروايات الإخبارية المتأخرة التي صيغت في سياقات سياسية ودينية مختلفة؟
منتقدو المسلسل يرون أن إسقاط حادثة “الأخدود” على سياق نجران وذي نواس، وتقديم بعض الشخصيات بصورٍ نمطية، يثير إشكاليات علمية، خصوصاً في ظل غياب إشارات صريحة لذلك في النقوش اليمنية المعروفة. كما طُرحت تساؤلات حول التسلسل الزمني لشخصية سيف بن ذي يزن، ودوره مقارنةً بدور السميفع أشوع، ومسألة الخلط بين أبرهة اليمني وأبرهة الحبشي.
في المقابل، يدافع مؤيدو العمل عن حق الدراما في إعادة قراءة الماضي، معتبرين أن الهدف الأسمى هو بعث الاعتزاز بالهوية واستعادة الثقة، وأن محدودية الإمكانات الإنتاجية لا تلغي أهمية المبادرة ذاتها.
الفن وحدود المسؤولية
الدراما ليست كتاباً أكاديمياً، لكنها أيضاً ليست مساحة حرة بالكامل حين تتناول شخصيات موثقة أثرياً. فالصورة التي تُبث عبر الشاشة تمتلك قدرة هائلة على ترسيخ تصورٍ ما في أذهان الأجيال، وربما تتحول إلى “حقيقة” غير قابلة للنقاش.
ومن هنا يظهر التحدي الحقيقي:
كيف نوازن بين متطلبات التشويق الدرامي، وبين احترام الشاهد الأثري؟
كيف نحول التاريخ إلى عمل جاذب دون أن نفصله عن مصادره الأصلية؟
وهل تمت الاستعانة بلجان علمية متخصصة في تاريخ اليمن القديم وعلم النقوش لضبط المسار السردي؟
أزمة إنتاج أم أزمة منهج؟
لا يمكن تجاهل أن صناعة الدراما التاريخية تتطلب موازنات ضخمة وبنية إنتاجية معقدة. مقارنة عمل يمني بإنتاجات دول تُسخّر ملايين الدولارات قد لا تكون منصفة. غير أن الإشكال المطروح هنا لا يتعلق فقط بالإمكانات، بل بالمنهج: أيهما أولى بالتقديم حين يختلف النقش مع الرواية؟
“ملوك اليمن” وضع الجميع أمام مرآة صعبة.
فهو من جهة محاولة جريئة لإحياء التاريخ على الشاشة، ومن جهة أخرى اختبار حقيقي لمدى جاهزيتنا للتعامل مع ماضينا بوصفه علماً قبل أن يكون حكاية.
خاتمة
القضية ليست في مسلسلٍ بعينه، بل في سؤال أكبر يتجدد مع كل عمل تاريخي:
هل نكتب تاريخنا كما سُطر في حجارة المعابد والنقوش، أم كما يُعاد تشكيله في نصوص درامية تخضع لضرورات السرد؟
بين الإبداع والحقيقة، يبقى “ملوك اليمن” عملاً فتح باباً لن يُغلق سريعاً… باب مراجعة الذاكرة، وإعادة التفكير في الطريقة التي نروي بها أنفسنا للأجيال القادمة.