في زحام الحياة المادية التي نعيشها اليوم، يغفل الكثيرون عن جوهر التدين الحقيقي، ويختزلونه في شعائر تعبدية تنحصر بين العبد وربه .
لكن القراءة المتأنية في المأثور النبوي الشريف تفتح لنا آفاقاً أوسع..آفاقاً تجعل من "خدمة الإنسان" هي الطريق الأقصر لنيل محبة الخالق سبحانه وتعالى.
هل تاملت هذا الحديث؟!
قال النبي ﷺ : *(أحب الناس الى الله انفعهم، واحب الاعمتل الئ الله عز وجل سرور تدخله على مسلم، او تكشف عنه كربة او تقضي عنه ديناً او تطرد عنه جوعاً ، ولأن امشي مع اخي، المسلم في حاجة أحب الي من ان اعتكف في النيجد، شهراً ومن كف غضبه ستر الله عورته، ومن كظن غيظاً ولو شاء ان يمضيه انضاه ملأ الله قلبه رضى يوم القيامة، ومن مشى مع اخيه المسلم في حاجته حتى يثبتها له ثبت الله تعالى قدمه يوم تزل الاقدام، وان سوء الخلق ليفسد العمل كما يفسد الخل العسل)*
يضع لنا النبي ﷺ مقياساً مذهلاً للمفاضلة بين الأعمال؛ فالمسألة ليست بكثرة الركعات فحسب، بل بمدى الأثر الذي تتركه في حياة الآخرين.
إن إدخال السرور على قلب إنسان مكسور، أو سداد دين عن غارم أثقلته الهموم، أو حتى إشباع جائع، هي أعمال تتربع على قمة هرم القربات.
يقول الحديث الشريف بوضوح يلامس الروح: "أحب الناس إلى الله أنفعهم". هذا النص لا يفرق بين منصب أو مال، بل يجعل "المنفعة" هي معيار الأفضلية عند الله. فجبر الخواطر العبادة الغائبة.
لعل أكثر ما يثير التأمل في هذا الهدي النبوي هو تقديم "قضاء حوائج الناس" على الاعتكاف في المسجد.
أن يمشي المرء في حاجة أخيه حتى ينجزها له، أحب إلى الله من الجلوس شهراً كاملاً في المسجد النبوي.
هذه دعوة صريحة للنزول إلى الميدان، لملامسة آلام الناس، ولأن يكون المسلم "غيثاً" حيثما وقع نفع فتلك عبادة ما وراء جدران المساجد.
لا تقتصر المنفعة على العطاء المادي، بل تمتد إلى العطاء النفسي.
ففي مجتمع تكثر فيه الصراعات، يأتي التوجيه النبوي ليحث على "كظم الغيظ" وضبط النفس.
إن من يملك القدرة على الانتقام فيعفو، ومن يستر عثرات الآخرين بدلاً من فضحها، يمنحه الله في المقابل سكينة في القلب وثباتاً يوم القيامة ، فان
فروسية الأخلاق هو كظم الغيظ وستر العيوب.
وفي ختام هذه اللوحة الأخلاقية، يأتي التحذير من "سوء الخلق". فقد وصفه الحديث بالحموضة التي تفسد حلاوة العسل.
فما قيمة العمل الصالح إذا اقترن بلسان حاد أو تعامل فظ؟
إن الأخلاق هي "الغلاف" الذي يحفظ للعمل قيمته، وبدونها يصبح الجهد هباءً منثوراً.
وإن بناء المجتمعات القوية يبدأ من استشعارنا لمسؤوليتنا تجاه بعضنا البعض.
فالمسألة ليست مجرد "مساعدة"، بل هي استثمار مع الله يثبت الأقدام يوم تزل، ويملأ القلوب رضى في يوم نحن أحوج ما نكون فيه لهذا الرضا.