آخر تحديث :الإثنين-23 فبراير 2026-10:43ص

الإسلام.. الدين الواحد لكل الأنبياء

الإثنين - 23 فبراير 2026 - الساعة 04:03 ص
محمد محسن الجوهري

بقلم: محمد محسن الجوهري
- ارشيف الكاتب


يسود في الأوساط الثقافية والاجتماعية مصطلح "الأديان السماوية" للإشارة إلى الرسالات التي حملها الأنبياء عليهم السلام، إلا أن الفحص الدقيق للنصوص القرآنية يقودنا إلى حقيقة عقدية كبرى، وهي أن الدين عند الله واحد منذ فجر البشرية وحتى ختم الرسالة، وهذا الدين هو "الإسلام". فما نطلق عليه أدياناً ما هي في الحقيقة إلا مذاهب ومنهاج اختلفت في تفاصيلها وأحكامها لتناسب أحوال الطغاة ومصالحهم، وذلك يتنافى مع الوعي القرآني الذي يؤكد مفهوم محوري يصحح الكثير من المفاهيم الشائعة، وهو أن الدين عند الله واحد لا يتعدد.


نجد نبي الله نوح، وهو الأب الثاني للبشرية، يعلن بوضوح أن الإسلام هو جوهر دعوته، لأن الإسلام بمعناه الحقيقي يعني التسليم المطلق لله عز وجل والقبول بكل أوامره ونواهيه دون جدال، ولذلك قال سيدنا نوح عليه السلام، وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ [يونس: 72] وهذا يؤكد أن الإسلام كان الشريعة والمنهج قبل آلاف السنين من أي مسمى ديني مخترع.


وعندما نأتي إلى أبي الأنبياء إبراهيم وابنه إسماعيل، نجد أن غاية جهدهما في بناء البيت العتيق كانت تثبيت هذه الهوية الإلهية. فقد رفعا قواعد الكعبة وهما يلهجا

ن بالدعاء: رَبَّنَا وَاجْععلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ [البقرة: 128]. فلم يدعوا الله باليهودية أو النصرانية، بل بالإسلام الذي هو الفطرة والحق.


وحتى يعقوب عليه السلام، (وهو نبي الله إسرائيل) لم يترك لبنيه مجالاً للحيرة أو الابتداع، بل حصر نجاتهم في التزام الإسلام وحده. ففي لحظات احتضاره، كانت وصيته حاسمة وقاطعة: يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ [البقرة: 132]. وهذا يثبت أن كل من يدعي ديناً آخر غير الإسلام باسم "بني إسرائيل" فقد خالف وصية نبيه وجده.


وفي مواجهة فرعون وظلمه، لم يجد موسى عليه السلام ملجأً لقومه إلا العودة إلى أصلهم الأصيل وهو الإسلام. فقد خاطبهم بلسان اليقين قائلاً: يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ [يونس: 84]. فجعل الإسلام شرطاً لصحة الإيمان والتوكل، مما يبطل أي دعوى تزعم وجود دين مستقل يسمى "اليهودية" في عهده.


وعندما خاطب نبي الله سليمان ملكة سبأ، لم يدعُها إلى طقوس مذهبية، بل دعاها إلى الخضوع للحق والعودة إلى الدين الواحد. فكان كتابه إليها موجزاً وحازماً: أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ [النمل: 31]. فالإسلام ه

نا هو الموقف الذي ينهي الاستكبار البشري ويخضع الخليقة لخالقها.


أما المسيح عيسى ابن مريم، فقد كان تلاميذه وخاصته (الحواريون) مدركين تماماً أنهم لا يتبعون ديناً مستحدثاً، بل هم جزء من سلسلة المسلمين الطويلة. وعندما أرادوا إعلان ولائهم المطلق للحق، قالوا بلسان واحد: آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [آل عمران: 52]. وما يسمى اليوم "مسيحية" ما هو إلا من تأليف البشر وصناعة الكنيسة بعيداً عن حقيقة دعوة المسيح المسلمة.


ختاماً، جاءت الرسالة المحمدية لتضع الكلمة الأخيرة في كتاب الدين، معلنةً بطلان كل المسارات التي ابتدعها البشر بعيداً عن نهج الأنبياء: إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ [آل عمران: 19]. وبذلك أُغلق الباب أمام أي تلاعب بالمسميات، فكل ما يبتغيه الإنسان خارج هذا الإطار هو باطل مردود عليه: وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [آل عمران: 85].



والمتأمل في تاريخ الحروب المدمرة التي فتكت بالبشرية، يجد أن جذورها لم تكن يوماً في الرسالات الإلهية، بل في "البغي" الذي حدث بعد رحيل الأنبياء، حينما استبدل الناس وحدة الإسلام بفرقة المذاهب، واستعاضوا عن هدي السماء بأهواء البشر ومصالحهم الضيقة. فلو التزم الجميع بدين الله الواحد الذي جاء به كل الأنبياء، لما وجدت هذه الصراعات والتمزقات التي استنزفت دماء الشعوب وثرواتها؛ فالإسلام جاء ليجمع الناس تحت راية العبودية لله، بينما جاءت التسميات المبتدعة والتحريفات البشرية لتقسمهم إلى معسكرات متناحرة.