بقلم: حسين علي باهميل
منذ ما سُمّي بـ”الربيع العربي”، والمنطقة لم تعرف ربيعاً ولا استقراراً، بل عاشت موجات متلاحقة من الفوضى المنظمة. واليوم، بدأت خيوط اللعبة تتكشف بوضوح أكبر: إسقاط الدول، تفكيك الجيوش الوطنية، وإنشاء المليشيات لم يكن نتاج صدفة أو حراك عفوي فقط، بل كان – في كثير من ساحاته – تمهيداً لمشاريع كبرى تستفيد من انهيار الدولة العربية وتآكل مفهوم السيادة.
عندما تُدمَّر الجيوش الوطنية، وتُستبدل بمليشيات تحمل شعارات مناطقية أو أيديولوجية، فإن أول ضحية ليست السلطة، بل الوطن نفسه. وحين تُرفع لافتات “الوطنية” بينما تُخترق السيادة، فذلك أخطر أشكال الخداع السياسي. الأسوأ أن بعض الأنظمة التي تزعم محاربة الإرهاب، تمارس سياسات تصنع بيئته، وتغذّي أسبابه، ثم تتاجر بشعاره.
في المقابل، كان هناك مشروع عربي مختلف، قادته المملكة العربية السعودية، تجسّد بوضوح في مبادرة السلام العربية التي أُطلقت في بيروت عام 2002. كانت المبادرة رؤية متكاملة: سلام شامل مقابل انسحاب شامل، وحل عادل يضمن الحقوق ويغلق أبواب الفوضى. يومها، اختارت المملكة طريق الدولة لا طريق المليشيا، ومنطق التسوية لا منطق الحروب العبثية.
وحين نقرأ تصريحات السفير الأمريكي لدى إسرائيل في فترات مختلفة، ندرك كيف تتقاطع المصالح الكبرى مع واقع عربي ممزق، وكيف يُعاد تشكيل المنطقة وفق خرائط نفوذ جديدة، مستفيدة من الانقسامات الداخلية. فهل كانت الفوضى بريئة؟ أم أنها كانت البيئة المثالية لإعادة ترتيب المشهد بما يخدم مشاريع لا ترى في الدولة العربية القوية مصلحة لها؟
في اليمن، كما في غيره، ظهرت أدوات محلية تلبس لبوس القضية، لكنها عملياً ساهمت – بقصد أو بغير قصد – في إنهاك الدولة، وتعطيل مؤسساتها، وإرباك أي مشروع عربي يسعى لإعادة البناء. ومع كل خطوة نحو الاستقرار، يخرج من يعرقل، ومع كل مبادرة للحوار، يظهر من يستثمر في الانقسام.
السؤال اليوم ليس فقط: من يقف خلف الفوضى؟
بل: أين العقلاء داخل تلك الأدوات؟
أين من يدرك أن تمزيق الجيوش لا يبني وطناً، وأن استهداف مشروع عربي جامع لن يخدم إلا خصوم الأمة؟
إذا كان لدى بعض هذه القوى ذرة انتماء، فلتسأل نفسها: هل التاريخ سيذكرها كجزء من مشروع إنقاذ، أم كأداة في مشروع تفكيك؟
اللحظة لم تعد تحتمل رمادية المواقف. إما الانحياز للدولة، وللمشروع العربي الذي يسعى إلى الاستقرار، وإما البقاء رهائن لمشاريع الفوضى التي لا تُبقي وطناً ولا تحفظ كرامة.