آخر تحديث :الثلاثاء-24 فبراير 2026-01:08ص

وَيسألونكَ عَنِ القَاتِ: الاستشراقُ الداخليّ وصناعةُ (الآخر) اليمنيّ السلبيّ (4-5)

الإثنين - 23 فبراير 2026 - الساعة 08:02 م
د. مجيب الرحمن الوصابي

بقلم: د. مجيب الرحمن الوصابي
- ارشيف الكاتب


كثيرٌ مِن الأصدقاء العربِ، خصوصًا من تُونس، يسألونني عن القات؛ أقول لهم: له أضراره بلا شك، لكنّها أقلُّ بكثير من أضرار التدخين... بهذه المقارنة الموجزة يمكن تقريب الفكرة وتفكيك الصورة النمطية التي تختزل اليمن في نبتة واحدة!!


مِن أين تبدأ الحكاية؟!


يشكّل حضور اليمن في كتابات الرحالة العرب في القرن العشرين مساحة كاشفة لطبيعة العلاقة بين المركز والهامش داخل العالم العربي نفسه. فحين توجه هؤلاء إلى اليمن بدافع الاكتشاف والتوثيق، كانوا-من حيث لا يشعرون أحيانًا- يحملون معهم معايير جاهزة للحكم، مستمدة من خطاب التحديث الأوروبي ومن تصورٍ معياري للتقدم والعمل والانضباط. وفي هذا السياق برزت ظاهرة القات بوصفها محورًا أساسيًا في تمثيل اليمن، حتى غدت عدسة تُختزل عبرها صورة مجتمع كامل.


يمكن فهم هذا المسار في ضوء مفهوم "الاستشراق الداخلي"، أي إعادة إنتاج النظرة الاستشراقية داخل الذات العربية، بحيث يصبح العربي موضوعًا لنظرة عربية تتبنى مقاييس خارجية في تقييمه. لم يعد "الآخر" هنا غربيًا في مواجهة شرقي، بل عربيًا في مواجهة عربي؛ مركزٌ حداثي يرى نفسه أكثر اتصالًا بروح العصر، وهامشٌ تقليدي يُنظر إليه بوصفه متأخرًا أو معطّلًا عن اللحاق بالركب.


من الوصف إلى الحكم: القات ومعيار التقدم


في كتابات أمين الريحاني عن اليمن، وخصوصًا في ملوك العرب، يظهر هذا التحول بوضوح. فقد قدّم الريحاني وصفًا لمجالس القات، لكنه لم يكتفِ بالوصف، بل ربط الظاهرة بمعاني الكسل والتأخر الاقتصادي. هنا تنتقل الكتابة من مستوى الملاحظة إلى مستوى التقويم الأخلاقي والاجتماعي. فالقات لا يُعرض بوصفه ممارسة اجتماعية ذات دلالات رمزية، بل بوصفه عائقًا أمام الإنتاج والعمل.


المعيار الذي يحكم هذا التقييم ليس محايدًا؛ إنه معيار حداثي يقيس المجتمعات بمدى انخراطها في منظومة الإنتاج والانضباط الزمني. وبهذا المعنى، يغدو القات رمزًا لخللٍ يُفترض أنه يكمن في بنية المجتمع نفسه. إن اختزال أسباب التعثر الاقتصادي في عادة اجتماعية واحدة يعيد إنتاج الآلية الاستشراقية ذاتها التي طالما اختزلت "الشرق" في صفات نمطية.


تشييء الظاهرة والانتقال إلى البيولوجيا


تتخذ الصورة بعدًا أكثر حدّة في كتابات بعض الرحالة المتأخرين، حيث يتحول النقد الاجتماعي إلى خطاب يمسّ الجسد ذاته. ففي نصوص أحمد وصفي زكريا، على سبيل المثال، يُربط القات بضعف الأجسام وهزالها، بل وبالتدهور عبر الأجيال. هنا لا يعود الأمر متعلقًا بسلوك اجتماعي، بل بطبيعة بشرية يُقال إنها أصابها الانحطاط.


هذا الانتقال من نقد عادة إلى توصيف "انحلال" جسدي يضع اليمني تحت مجهر وصاية ضمنية؛ كأن المجتمع فقد قدرته على إدارة شؤونه، وأصبح بحاجة إلى من يحدّد له مكمن الداء ويقترح العلاج. ومن ثم تظهر الدعوات إلى استئصال القات بوصفه "شجرة خبيثة"، في لغة تحمل نبرة استئصالية واضحة، لا تكتفي بالنقد بل تميل إلى محو الظاهرة من جذورها.


القات كشماعة تفسيرية


في كثير من هذه السرديات، تحوّل القات إلى تفسير جاهز لمجمل الإشكالات الاقتصادية والاجتماعية. وبدل البحث في بنى سياسية معقدة أو في ظروف تاريخية خاصة، جرى تعليق أسباب التعثر على هذه النبتة وحدها. إن مثل هذا التبسيط يمنح النص قوة تفسيرية سريعة، لكنه في الوقت ذاته يختزل الواقع ويُغفل تعقيده.


والأهم أن هذه الكتابات أسهمت في صناعة صورة نمطية "مستفزة"، لا لأنها تنتقد ظاهرة بعينها، بل لأنها تصادر حق المجتمع في تعريف نفسه. فحين يُقدَّم اليمني بوصفه كائنًا "مخدرًا" أو "فاقدًا للهمة"، تتحول الممارسة الثقافية إلى وصمة، ويتحول النقد إلى حكم قيمي شامل.


صراع السرديات والدفاع عن الذات


من هنا يمكن فهم حساسية اليمنيين تجاه هذا النوع من الخطاب. فالدفاع عن القات لم يكن بالضرورة دفاعًا مطلقًا عن الظاهرة أو إنكارًا لمشكلاتها، بل كان في جانب منه دفاعًا عن الكرامة الجمعية في مواجهة تمثيل خارجي ينزع الشرعية عن أنماط العيش المحلية.


إن مجالس القات، في سياقها الاجتماعي، ليست مجرد استهلاك لنبتة، بل فضاء للتواصل وتبادل الرأي وإدارة العلاقات الاجتماعية. تجاهل هذا البعد الأنثروبولوجي يكشف عن انحياز ضمني إلى زاوية نظر ترى في معيار الإنتاج الاقتصادي المرجع الأوحد للحكم على المجتمعات.


نحو قراءة أكثر توازنًا


إن إعادة قراءة نصوص الرحالة العرب عن اليمن في ضوء مفهوم الاستشراق الداخلي لا تعني تبرئة الظواهر من النقد، ولا إنكار ما قد يترتب عليها من آثار سلبية. لكنها تدعو إلى مساءلة اللغة التي يُصاغ بها هذا النقد، وإلى الانتباه إلى البنية الخطابية التي تنتج "الآخر" داخل الذات.


فالخطر لا يكمن في طرح الأسئلة حول الاقتصاد أو الصحة، بل في اختزال مجتمع كامل في عادة واحدة، وفي تحويل الاختلاف الثقافي إلى علامة نقص جوهري. إن تجاوز هذا المنظور يقتضي الاعتراف بتعقيد التجربة اليمنية، وبحقها في أن تُقرأ من داخلها لا عبر قوالب جاهزة.


بهذا المعنى، يصبح القات في مرآة الرحالة أكثر من موضوع اجتماعي؛ إنه مرآة لانقسام الوعي العربي الحديث بين مركز يرى نفسه حاملًا لمشروع الحداثة، وهامش يُنظر إليه بوصفه عبئًا على هذا المشروع. والنقد الحقيقي يبدأ حين تتحول هذه المرآة إلى أداة لمراجعة الذات، لا لمحاكمة الآخر.


(ملاحظة) المقال جزء من سلسلة مقالات منشورة في المواقع اليمنية والعربية. ...