بينما ينتظر الشارع في عدن والمحافظات الجنوبية خطوات عملية تلامس تطلعاته السياسية والمعيشية تبرز إلى السطح مفارقة عجيبة تثير الكثير من التساؤلات المشروعة والمؤلمة في آن واحد ففي الوقت الذي يُفترض فيه أن تكون العاصمة السعودية الرياض مظلة للتوافق والبناء تحولت منصات التواصل والإعلام المنطلقة منها إلى ساحة مفتوحة لأصوات شمالية دأبت على شيطنة الجنوب وقضيته بل والتحريض الصريح ضد مؤسساته ورموزه .
لا يمكن فصل حالة الاحتقان الشعبي المتصاعد في الجنوب عن هذا المشهد الإعلامي المسموم فالمواطن الجنوبي الذي قدم التضحيات الجسام لتأمين المشروع العربي يجد نفسه اليوم أمام مشهد سريالي أصوات تقيم في فنادق الرياض وعزبها تهاجم تطلعاته وتقابل ذلك إجراءات ميدانية تعسفية تمثلت في إغلاق مقرات المجلس الانتقالي الجنوبي في بعض المناطق أو التضييق على تحركاته .
هذا التزامن بين الهجوم الإعلامي من قلب الرياض والتضييق الميداني على الأرض لا يمكن قراءته جنوبياً إلا كونه طعنة في الظهر ومحاولة ممنهجة للقضاء على القضية الجنوبية وتفكيك اي حامل سياسي لها كي يتم اضعافها إن سياسة إضعاف الحليف القوي لإرضاء الحليف الفاشل هي مقامرة سياسية أثبتت التجارب عقمها .
إن محاولات القفز على ثوابت القضية الجنوبية عبر إغلاق المقرات أو تكميم الأفواه السياسية لن تؤدي إلا إلى مزيد من الانفجار الشعبي والالتفاف حول الانتقالي حتى من معارضيه فالقضية الجنوبية لم تكن يوماً مقراً يمكن إغلاقه بقرار عابر للحدود بل هي إرادة شعب وجغرافيا وهوية .
إن استمرار السماح لـما يقارب من 90% من الأصوات الشمالية المقيمة في المملكة بمهاجمة الجنوب في ظل صمت مريب من الجهات المستضيفة يرسل رسائل سلبية مفادها أن هناك ضوءاً أخضر للنيل من الجنوبيين .
هذا السلوك ينسف أسس الثقة التي بني عليها اتفاق الرياض و ينسف مصداقية الحوار الجنوبي الجنوبي المزعوم ويجعل من الحديث عن الشراكة مجرد حبر على ورق .
على الأشقاء في المملكة العربية السعودية إدراك أن كسب المعركة الكبرى لا يمر عبر استعداء الشريك الصادق على الأرض إن إغلاق المقرات والتضييق السياسي هو استنزاف للمكاسب المحققة وخدمة مجانية لخصوم الجميع فهل يتم تدارك هذا العبث الإعلامي والميداني قبل أن يصل الاحتقان الشعبي إلى نقطة اللاعودة ؟
في الآونة الأخيرة تزايدت وتيرة الحملات الإعلامية التي تحاول جاهدة اختزال القضية الجنوبية في زوايا ضيقة تارة بتصويرها كخلاف سياسي على مناصب وتارة أخرى بربطها بأشخاص أو كيانات محددة يقود هذه الحملات قطيع من الأقلام المأجورة التي تبيع الحبر لمن يدفع محاولةً طمس هوية شعب بأكمله وتضحيات عقود من النضال .
يخطئ من يظن أن القضية الجنوبية بدأت مع تشكيل المجلس الانتقالي أو أنها تنتهي برحيل قائد أو مسؤول الجنوب قضية شعب و أرض وهوية .
الشعب هو صاحب السيادة والقرار وهو الذي قدم قوافل الشهداء منذ غزو 1994 وحتى اليوم الأرض ليست مساحة للمناورة السياسية أو تقاسم النفوذ بل هي وطن بحدوده التاريخية المعروفة الهوية هي الوجدان الذي لم تستطع سنوات الفيد والتهميش محوه .
إن محاولة حصر الجنوب في المجلس الانتقالي أو أي مكون سياسي آخر هي مغالطة تهدف إلى جعل القضية مجرد طرف في صراع سلطة يمكن تسويته بـ حقيبة وزارية أو منصب إداري .
الحقيقة أن المكونات السياسية هي أدوات لخدمة القضية وليست هي القضية ذاتها .
على المملكة العربية السعودية كقائدة للتحالف العربي أن تدرك جيداً أن الاستقرار في المنطقة لن يتحقق عبر القفز فوق تطلعات شعب الجنوب .
الرهان على الأدوات التي أثبتت فشلها في الشمال لن يجلب إلا المزيد من التخبط .
إرادة الشعوب لا يمكن فرض حلول قسرية على شعب يمتلك إرادة صلبة في استعادة دولته .
الشراكة الحقيقية يجب التعامل مع الجنوب كشريك استراتيجي وكقضية عادلة لا كملف ثانوي يتم تحريكه وفق مقتضيات التفاوض مع أطراف أخرى .
الأقلام التي تحاول اليوم شيطنة الطموح الجنوبي أو تمييعه ستجف وتبقى صرخات الشارع الجنوبي هي الأعلى القضية ليست للمساومة والجنوب ليس مجرد رقم في معادلة الإقليم بل هو المعادلة ذاتها التي بدونها لن يستقيم ميزان الأمن في باب المندب أو خليج عدن .