آخر تحديث :الأربعاء-25 فبراير 2026-01:06ص

مقاربة سياسية في تعريف الهوية العدنية

الثلاثاء - 24 فبراير 2026 - الساعة 04:11 م
فضل علي مندوق

بقلم: فضل علي مندوق
- ارشيف الكاتب


بقلم: م.فضل علي مندوق


يُطرح سؤال «من هو العدني؟» في سياقات متباينة، أحيانًا بدافع الحرص على الهوية، وأحيانًا بدافع القلق من التحولات السياسية والاجتماعية، وأحيانًا أخرى في إطار سجال عاطفي يتجاوز حدود النقاش الموضوعي. غير أن هذا السؤال، إذا أُريد له أن يكون مدخلًا لبناء رؤية مستقرة لمستقبل المدينة، ينبغي أن يُعالج بمنهج سياسي عقلاني يستند إلى فهم طبيعة المدن ودورها ووظيفتها في التاريخ والجغرافيا، لا إلى ردود فعل انفعالية أو تصنيفات مغلقة. فعدن، بحكم نشأتها وتكوينها وموقعها، لم تكن في أي مرحلة كيانًا اجتماعيًا منغلقًا، بل تشكلت تاريخيًا بوصفها فضاءً مفتوحًا للتجارة والهجرة والتفاعل الثقافي، الأمر الذي يجعل تعريف هويتها بمنطق أحادي أمرًا متعارضًا مع بنيتها الأصلية.

المدينة، في المفهوم السياسي الحديث، ليست رابطة دم، بل رابطة عيش مشترك. وهي كيان يقوم على التعاقد الاجتماعي غير المعلن بين سكانها، حيث يتأسس الانتماء على الإقامة الفعلية، والاندماج في النسيج الاجتماعي، والالتزام بالقانون العام، والمشاركة في بناء المجال العام. وإذا كانت القبيلة تُعرّف أبناءها بسلسلة نسب، فإن المدينة تُعرّف أبناءها بسلسلة مساهمات. ومن ثم فإن اختزال العدنية في معيار سلالي مغلق يفتح بابًا لإشكالات عملية لا تنتهي: من يحدد الأقدمية؟ وأي زمن يُعتد به معيارًا؟ وكيف يمكن إدارة مدينة حديثة بمفهوم استبعادي في عصر الدولة الوطنية؟ إن مثل هذا التصور لا يقود إلا إلى صراع على الشرعية الاجتماعية، ويؤسس لانقسام يتناقض مع مصلحة المدينة واستقرارها.

إن عدن، بوصفها مدينة ميناء ذات موقع استراتيجي بالغ الحساسية، تحتاج إلى هوية جامعة لا إقصائية، كون وظيفتها الاقتصادية والسياسية تتطلب بيئة منفتحة ومستقرة وقادرة على استيعاب التنوع. فالمدن التي تلعب أدوارًا إقليمية أو دولية لا تستطيع أن تُدار بعقلية الانغلاق، إذ إن الانغلاق يُضعف الجاذبية الاستثمارية، ويُربك المناخ الاجتماعي، ويقيد إمكانات التطور. أما الهوية المدنية المنفتحة فتوفر أساسًا للتعايش، وتُعزز الثقة المتبادلة، وتمنح المدينة قوة ناعمة تعكس صورتها التاريخية بوصفها نقطة التقاء لا نقطة فرز.

بناءً على ذلك، يمكن القول إن العدني، بالمعنى السياسي الواقعي، هو كل من ارتبط بعدن استقرارًا ومصيرًا، واندماجًا ومشاركة، واحترامًا لقيمها المدنية القائمة على التعدد والتسامح. العدنية ليست امتيازًا موروثًا، بل مسؤولية مكتسبة؛ وليست صفة بيولوجية، بل حالة انتماء فعلي تتجسد في السلوك العام والالتزام بقواعد العيش المشترك. فمن يسهم في عمران المدينة، ويحترم تنوعها، ويتحمل نصيبه من مسؤولية الحفاظ على استقرارها، يحمل نصيبًا من عدنيتها، بغض النظر عن جذوره الأولى.

إن الهوية الواثقة لا تخشى التعريف، لأنها تستند إلى قيم راسخة لا إلى حدود ضيقة. والسؤال عن العدنية لا ينبغي أن يتحول إلى أداة إقصاء، بل إلى مناسبة لإعادة التأكيد على أن المدينة بطبيعتها كيان جامع، وأن قوتها تكمن في قدرتها على تحويل التنوع إلى مصدر توازن لا إلى سبب انقسام. ومن هذا المنطلق، فإن أي مشروع سياسي جاد يسعى إلى استقرار عدن ومستقبلها ينبغي أن يتبنى مفهومًا مدنيًا للهوية، يُعلي من قيمة الاندماج والمواطنة والسلوك الحضري، ويبتعد عن منطق العصبية الذي يتعارض مع طبيعة المدينة ووظيفتها ومصلحتها الاستراتيجية.