رسالة الى رئيس الوزراء شائع محسن الزنداني
بعد سنوات من ترقب التغيير بدأت القناعة تترسخ لدى الشارع بأن المشكلة لم تكن يوماً في الوجوه بقدر ما هي في الكرسي ذاته حين يُحيط به سياج من غياب الرقابة لقد سقطنا مراراً في فخ المخلص المنتظر لنكتشف لاحقاً أن من جاء ليهدم معاقل الفساد سرعان ما استوطنها بل وأضاف إليها طوابق جديدة من المحسوبية ليمارس ذات طقوس سلفه ولكن بـ نهم أكبر على مدى الحكومات المتعاقبة .
الحقيقة المرة التي يجب أن نواجهها هي أن السلطة بلا معارضة حقيقية وبلا محاسبة شفافة هي مفرخة طبيعية للفساد إن غياب الرقابة يحوّل المبادئ إلى شعارات للاستهلاك الإعلامي فقط . فالتاريخ القريب يخبرنا أن كل من وصل إلى سدة القرار أقسم على كسر الروتين لكن الروتين كان أقوى لأن البيئة المؤسسية مصممة لاستنساخ الفشل لا لتصحيحه .
تجميد الجهاز المركزي للرقاية والمحاسبة وادارات المراجعة الداخلية الرصاصة الأولى في صدر النزاهة
ما يثير الريبة في كواليس الإدارات والوزارات المتعاقبة ليس فقط اختفاء الميزانيات بل ذاك النهج الممنهج في تجميد إدارات المراجعة الداخلية هذه الإدارات التي يُفترض أن تكون العين الساهرة وصمام الأمان للتفتيش والإشراف على أداء الدوائر المختلفة تحولت في كثير من الأحيان إلى مجرد ديكور أو مكاتب مهجورة تُمنح صلاحياتها لمن لا يملك الخبرة أو تُسلب منها الإرادة ولم يعد لهم اي نشاط غير بصمة الحضور والانصراف حفاظا على رواتبهم من الخصم .
إن تجميد الرقابة الداخلية ليس مجرد خلل إداري بل هو قرار سياسي بامتياز لفتح الأبواب أمام العبث بالمال العام بعيداً عن أعين القانون .
عندما يتم تهميش المراجعين والمدققين وتجريدهم من استقلاليتهم واغلاق الابواب امامهم فنحن لا نصلح إداراتنا بل نمنح الفاسدين رخصة دولية للمضي قدماً في نهب الموارد إن أي سلطة تدعي النزاهة وهي تضع إدارات الرقابة في ثلاجة الإهمال هي سلطة تمارس التضليل لا غير .
هذه المرة سقف التوقعات ليس عالياً لكن الأمل لا يزال يحدونا بأن نرى استثناءً يكسر القاعدة نريد سلطة لا تخاف من ادارات المراجعة بل تعتبرها مرآة للشفافية نريد قيادة تدرك أن بقاءها مرتبط بقوة مؤسسات الرقابة لا بضعفها .
الرهان اليوم ليس على صدق النوايا فقط فالنوايا لا تبني دولاً بل على تفعيل أدوات المحاسبة فهل يمتلك القادمون الجدد الجرأة لتمكين إدارات المراجعة ومنحها الضوء الأخضر للنبش في الملفات المسكوت عنها ؟ أم أننا بصدد مشاهدة نسخة منقحة من فيلم قديم وممل ؟
إن التغيير الحقيقي يبدأ عندما يدرك صاحب السلطة أنه موظف لدى الشعب وليس مالكاً للدولة وبدون رقابة ومحاسبة سيظل الفساد هو الماركة المسجلة لكل من يجلس على ذلك الكرسي .