آخر تحديث :الخميس-26 فبراير 2026-01:30ص

صرخة نذير .. العالم على حافة الهاوية

الخميس - 26 فبراير 2026 - الساعة 12:02 ص
عوض عميران

بقلم: عوض عميران
- ارشيف الكاتب


​نحن لا نعيش مجرد اضطرابات سياسية عابرة يمكن احتواؤها بدبلوماسية الغرف المغلقة، بل نقف اليوم أمام مشهد جنائزي للنظام العالمي كما استقر في الوجدان البشري منذ عقود. إن وتيرة الأحداث اليوم لا تتسارع فحسب، بل هي تهرول نحو حافة الهاوية في سباق محموم لم تشهده البشرية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. لم تعد الصراعات مجرد نزاعات حدودية تقليدية أو تدافع على الموارد والأسواق، بل استُبدلت بغليان أيديولوجي يمهد الطريق لصدام كوني شامل. يقود هذا المسار مثلث مرعب يجمع بين الشعبوية الترامبية الفجة، والطموحات التوسعية لنتنياهو والأطر الصهيونية، وهواجس "معارك آخر الزمان" التي بدأت تفرض إيقاعها على طاولة صناعة القرار.

​إن شخصية دونالد ترامب لا يمكن اختزالها في مجرد ظاهرة سياسية عارضة، بل هي التجسيد الأوضح لـ "القائد الفرد" الذي يرى في استقرار المؤسسات قيداً على طموحه الشخصي. بأسلوبه الانفعالي المصبوغ بالشعبوية التي تداعب غرائز الجماهير، نجح ترامب في إحداث شرخ عميق في بنية الدولة، مستبدلاً الولاء للدستور والمبدأ بالولاء الشخصي المطلق. حين نراقب الرضوخ المخزي لمؤسسات العدالة والسياسة أمام سطوته، ندرك أننا بصدد عملية "اختطاف سيادي" للدولة برمتها. هذا النزوع نحو تقديس "الأنا" وتطويع الشرعية القانونية لخدمة النزوات الفردية، يعيد إلى الأذهان، وبصورة مرعبة، البدايات المظلمة للديكتاتوريات الكبرى في التاريخ؛ تلك التي لم تأتِ بإنقلابات عسكرية، بل ولدت من رحم الديمقراطية لتمزق أحشاءها من الداخل وتفرض الهيمنة المطلقة تحت مسمى "إرادة الشعب".

​بيد أن القائد المستبد، مهما بلغت كاريزمته، لا يصعد في فراغ؛ بل هو كائن يتنفس من خلال "المزاج الشعبي" المشحون بالخوف والضغينة. شعار "اجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى" تجاوز كونه مجرد ملصق انتخابي، ليتحول إلى مخدر جماعي يعزل الجماهير عن المنطق المؤسسي ويجعلها رهن إشارة القائد. هذا الحشد العاطفي يطابق، بمرارة تاريخية، مناخ ألمانيا في ثلاثينيات القرن الماضي؛ حيث وجد اليائسون والمهمشون في خطاب "المخلص القومي" تعويضاً نفسياً عن انكساراتهم. هذا الغطاء الشعبي العريض لا يمنح القائد شرعية الحكم فحسب، بل يمنحه "تفويضاً بالعبث" بمصائر العالم وتفكيك التحالفات الدولية دون خشية من رادع داخلي، طالما أن الغوغاء يرون في كل حماقة سياسية "نصراً وطنياً" جديداً.

​وعلى الرقعة الدولية، تتجمع السحب السوداء لتعلن اكتمال أركان الكارثة. فمن نيران أوكرانيا التي تأبى الانطفاء، إلى نذر الصدام حول تايوان التي قد تشعل المحيط الهادئ، وصولاً إلى المركز الملتهب دوماً: الشرق الأوسط. في هذا المختبر الجيوسياسي، يلتقي ترامب مع حليفه الاستراتيجي بنيامين نتنياهو في تحالف "عضوي" يتجاوز الحسابات السياسية الباردة نحو الهيمنة الوجودية. هذا المحور لا يسعى لإدارة النزاعات أو الوصول إلى تسويات تاريخية، بل يقتات على التصعيد المستمر، مستغلاً حالة التفكك في النظام الدولي لفرض واقع جديد بالحديد والنار. إن سياسات التوسع والضم وتجاهل القوانين الدولية التي ينتهجها هذا التحالف، تدفع القوى الإقليمية والكبرى نحو نقطة "الصدام الحتمي"، حيث لا يبقى للعقل مكان وسط صليل السيوف.

​لكن البُعد الأكثر قتامة في هذا المشهد هو تسلل "اللاهوت الحربي" إلى قلب السياسة الواقعية. إن قطاعات واسعة من القاعدة الصلبة لأنصار ترامب، لا سيما في الأوساط الإنجيلية واللوثرية، لا يتعاملون معه كرئيس بل كـ "شخصية قدرية" أو أداة إلهية لتحقيق نبوءات توراتية عتيقة. بالنسبة لهؤلاء، فإن الفوضى العالمية الحالية والحروب الطاحنة في الشرق الأوسط ليست شراً يجب تجنبه، بل هي "علامات" ضرورية واقتراب حتمي لمعركة "هرمجدون" الفاصلة. ويتجلى هذا الخطر بوضوح في تصريحات النخبة المحيطة بمركز القرار، كالتصريح الصادم للسفير الأمريكي لدى الكيان "مايك هاكابي"، الذي جاهر بكون دولة إسرائيل تمتد من النيل الى الفرات استناداً إلى نصوص توراتية يدعي أن الله منح الأرض بموجبها لليهود. هذا المزاج الديني المتطرف يمنح صناع القرار غطاءً أخلاقياً زائفاً لارتكاب حماقات عسكرية كبرى، ويحول الصراعات السياسية القابلة للتفاوض إلى حروب دينية مطلقة لا تقبل إلا الإبادة أو الاستسلام، باعتبارها "مشيئة مقدرة" لا تملك البشرية أمامها سوى الانصياع.

​إن اجتماع جنون العظمة الفردي، مع الهياج الجرثومي للجماهير، والتوترات الجيوسياسية المتفجرة، والجنون الديني الغيبي، يضعنا أمام الحقيقة المرة التي يخشى الكثيرون النطق بها: العالم ليس "على شفا" الحرب، بل هو منغمس في فصولها التمهيدية بالفعل. نحن أمام مرحلة حاسمة لن تكتفي بإعادة رسم حدود الدول أو تغيير موازين القوى، بل قد تمسح معالم الحضارة الإنسانية كما ألفناها. إن التاريخ لم يكن يوماً صامتاً، لكنه اليوم يصرخ بأعلى صوته، منبهاً إلى أننا قد نكون الجيل الذي سيشهد كتابة الفصل الأخير بمداد من الدم والنار، وسط ذهول عالم ظن يوماً أنه تجاوز عصور الظلام.