آخر تحديث :الجمعة-27 فبراير 2026-11:27ص

كيف صنع الحوثي خصومه: العدو الذي أُنتج لتعطيل السلام والسيطرة على اليمن

الجمعة - 27 فبراير 2026 - الساعة 03:42 ص
نجيب الكمالي

بقلم: نجيب الكمالي
- ارشيف الكاتب


من يوم ما نفّذ الحوثيين انقلابهم على الشرعية، تغيّر شكل الصراع في اليمن. أول شيء عملوه هو إعادة تعريف الخصوم السياسيين: ما عادوا أطراف يمكن الحوار معهم، بل صاروا “عملاء للخارج” أو “خونة”، بحيث كل من يعارضهم داخليًا يتحول فورًا إلى عدو وجودي. هذا الخطاب حول الخلاف السياسي من مجرد نقاش أو منافسة إلى معركة حياة أو موت، واللي يعارضهم صار واجب القضاء عليه مش مجرد تصحيح أخطاء.

بعدها، توسّع مفهوم العدو. أي صوت معارض داخلي أو حركة سياسية تُلصق بها تهمة التعاون مع الخارج، وأي نشاط مدني أو احتجاج يُصوَّر كتهديد أمني. وسائل الإعلام التابعة لهم لعبت دور كبير في تضخيم هذا الخطر، وعملت على تصوير الخصم كأنه أقلية خارجة عن الإنسانية، وخلت الناس يصدقوا أن كل من يعارضهم ليس مواطنًا بل عدو.

الخطوة الثالثة كانت ربط خطابهم بقضايا إقليمية كبرى، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، ليقدموا نفسهم كجزء من محور مقاوم ضد “أعداء الأمة”. بهذا الشكل تحول الصراع من صراع على السلطة إلى معركة أيديولوجية ورمزية، بحيث أي تسوية سياسية تبدو في نظر أنصارهم خيانة لمشروع أعظم، وأصبح الخصم شخصية “شيطانية” لا يمكن التفاوض معها.

داخليًا، عززوا هذا الخطاب بالقوة الأمنية والقضاء، حيث صدرت أحكام قاسية بتهم التجسس أو التعاون مع الخارج، وأي نشاط سياسي صُنف ضمن “العدو الداخلي”. وجود خصم دائم أعطاهم مبرر للقبضة الأمنية، ولتأجيل أي إصلاح أو شراكة، ولإبقاء الناس منشغلة بالخطر الخارجي بدل مواجهة الأزمات الحقيقية.

بهذه الطريقة، صنع الحوثيون أعداءهم: أولًا فكريًا عبر إعادة تعريف الخصم، ثانيًا إعلاميًا عبر التضخيم وتجهيل المعلومات، وثالثًا عمليًا عبر القبضة الأمنية والاعتقالات، وربط كل هذا بخطاب أيديولوجي إقليمي. وكلما اتسعت دائرة الأعداء، ضاقت مساحة السياسة، وصارت المصالحة أصعب، وارتفعت كلفة العودة إلى الدولة. في النهاية، هذا الخطاب لم يكن مجرد دفاع عن السلطة، بل استراتيجية كاملة لإنتاج عدو دائم يبرر كل تصعيد ويعطل أي فرصة للسلام.